ليس من الصعوبة بمكان على الإطلاق إحداث فتنة تتبعها حرب أهلية بين كتلتين بشريتين. ذلك مهما تكن درجة التقارب بين هاتين الكتلتين عالية. الكتلتان البشريتان قد تكونان أهليْ أو أتباع دينين أو مذهبين أو شخصيتين معتبرتين في هذا الاتجاه أو ذاك...!

في حال العراق تحت الاحتلال فالأمر في غاية السهولة والتفرع بسبب طبيعة الزركشة الديمغرافية المتوفرة وسهولة الاستقطاب الجماهيري. متفجرة هنا أو مفرقعة هناك، عمليات اغتيال تتم بالتناوب والتبادل بين الكتلتين مع استغلال عوامل الجغرافيا والتوقيت؛ هذا إلى جانب تواجد جهاز إعلامي تحريضي جاهل أو متواطئ متآمر مهما يكن بدائياً.

يكاد لا يختلف مراقبان اثنان للأحداث في العالم أن العراق في المنهجية السياسية الأميركية ـ البريطانية ـ الإسرائيلية مقسم إلى مناطق ديمغرافية طائفية وعرقية. الشمال مصنّف على أنه يتبع للسيادة المحلية الكردية بزعامة الحزبين الانفصاليين الكردستانيين التقليديين، الاتحاد الوطني والديمقراطي. الوسط محسوب على أنه يتبع أو يخضع لسلطة أهل السنة بما لديهم من عشائر وأحزاب طائفية وسياسية، تُحسب قيادات الأخيرة على أهل هذه الطائفة. الجنوب في التصور والأجندة والحسابات الأميركية محسوب على أنه تابع للقيادات والأحزاب الشيعية.

اشتدت الغلواء ولمعت باتجاه تقسيم العراق عقب حرب الكويت عام 1991. حينها تم فرض حظر على النشاط الجوي للسلطة المركزية العراقية في بغداد. الهدف هو الحد من بسط نفوذ المركز على المنطقتين الشمالية والجنوبية وفرض النظام والقانون عليهما. عملياً فالسياسة والعسكرية الغربية بدأت الخطوات الميدانية لتقسيم العراق. مع مرور الزمن القصير رسخت في أذهان الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي فكرة أن العراق حقيقة مقسم حول هذه الأطياف الإثنية الرئيسية.

المصالح والأطماع الخارجية ساهمت في إكساب النزعة نحو التمرد على المركز زخماً ووقوداً إضافيين. مثلاً فالعتبات المقدسة مذهبياً في الجنوب تعتبر هدفاً روحياً وسياسياً، على الأقل! للطموحات الإقليمية. هنالك مصالح وأطماع في العراق تعتمد على التركيبة العرقية، خاصة في منطقة الشمال. ثمة هنا لا مفر من ذكر أطماع الدول المعادية لوحدة العراق أرضاً وشعباً وحضارة وتاريخاً وسياسة، بالذات والاسم دولة إسرائيل.

بعد احتلال العراق عام 2003 أوجدت تلك الأطراف الإقليمية والدولية حضوراً قويّاً نسبياً في الدولة العراقية المنكوبة بالاحتلال. يبدو الوضع أقرب إلى قطعة كبيرة من الجبن تتنازع وتتنافس عليها مجموعة من «القطط الشرسة الجائعة المحمومة». يتم ذلك التنافس عن طريق أنشطة أجهزة استخبارات عسكرية لكل من الأطراف لا تراعي في تحقيق المصالح الأنانية الضيقة إلاً ولا ذمة.

التفجيرات «الطائفية» التي تحدث بين الفينة والأخرى تخدم أطراف العملية السياسية والعسكرية والاستخباراتية التي دخلت العراق. تستفيد الأطراف السياسية منها كل حسب أمكنة حدوث وطبيعة ونتائج هذه التفجيرات.

في ذلك تارة قد يهاجَم مسجد محسوب على أهل السنة، وتارة أخرى مسجد محسوب على أهل الشيعة. تارة يهاجَم مأتم شيعي وتارة أخرى سني، عرس أو تجمع اجتماعي شيعي أو سني... وهكذا دواليك. حقيقة تستفيد الكثير من الدول والأطراف وبدرجات متفاوتة من حدوث هكذا تفجيرات هادفة! في هذا الصدد يمكن للبعض أن يزعم أن الحكومة العراقية التي تبدو مثل «الحمل أو الشاة» الوديعة المستسلمة للذئاب! لولا الاختراقات الميليشياوية لمؤسساتها، تستفيد من ذلك.

الهدف في نظرهم هو إقناع قوات الاحتلال بالاستمرار في البقاء لفترة إضافية قد تطول. ذلك لتعويض ضعف الحكومة في السيطرة على الأوضاع الأمنية الهشة. يحدث هذا خاصة بعد تكرار تحذيرات القادة السياسيين والعسكريين الأميركيين من أن الوضع في العراق لا يزال هشاً. الإدارة الأميركية هي من المستفيدين الرئيسيين من حدوث التفجيرات الهادفة لخلق الانشقاق والفتن.

الهدف هو ابتزاز الحكومة العراقية من جهة تقديم تنازلات والحصول على امتيازات تضمن المصالح خاصة الإستراتيجية منها بهذا الشكل أو ذاك. القوى الإقليمية تستفيد من ارتفاع منسوب الدم الناجم عن تفجير المفخخات أو العبوات الناسفة «الموجهة مذهبياً». بها قد تزعم أنها قادرة على لعب دور أكثر قدرة وأهمية وحسماً إذا ما رحل الاحتلال.

المعارضة والممانعة والمقاومة العراقية الحالية للحكم والاحتلال قد تستفيد من هكذا حالة. بها تزعم إثبات عدم قدرة الحكومة المركزية في «المنطقة الخضراء» على السيطرة على الوضع الأمني والتحكم فيه.

في النتيجة فلقد اختلط الحابل بالنابل وبات بإمكان أية فئة توجيه إصبع الاتهام إلى الآخرين بشأن التفجيرات. لكن يظل الاحتلال الأميركي بأعماله وسوابقه ونزواته وقدراته هو الأقرب إلى ارتكاب، أو حتى وقف، هكذا أعمال من شأنها أن تضيف عبثية إلى الأوضاع. قوات الاحتلال هي الأقوى والأقدر على تنسيق هجمات متزامنة تحتفظ بطابع أو نمط هادف معين، في المكان والتوقيت المطلوبين.

كلما ظن الناس أن الأمور هدأت قليلاً حتى يفاجئوا بسلسلة جديدة من التفجيرات الهادفة. الهجمات الأخيرة على الزوار الإيرانيين والقواطع الشيعية العراقية تؤيد السيناريو أعلاه. الإدارة الأميركية في حالة مواجهة مع الحكومة الإيرانية، أيديولوجياً أساساً إضافة إلى قضية أو ملف برنامج الأخيرة النووي.

ضرب الزوار الإيرانيين رسالة موجهة إلى السياسيين الإيرانيين. تقول الرسالة العنيفة الدموية ان الأميركيين لا يمكن أن يستمروا في تقديم العراق على طبق من فضة للإيرانيين، سياسياً ومذهبياً وديمغرافياً. على إيران أن تقوم بتقديم شيء بالمقابل! كل يوم مر على مدى سنين الاحتلال يثبت للعراقيين أن عليهم الجلوس مع بعضهم وجهاً لوجه ومناقشة كافة الموضوعات العالقة بحرص كاف.

حرص يضمن رضا وقناعة الجميع رغماً عن الأخطاء المرتكبة من الجميع بقصد وعن غير قصد. الاحتلال الأميركي على وشك الرحيل النهائي. ليس ذلك فقط بفضل المقاومة والممانعة العراقية والإقليمية والعربية والدولية. هنالك أزمة اقتصادية حادة تتعرض لها الولايات المتحدة بل تعصف بها. هذا بالإضافة إلى خطر مهاجمة الأوبئة الفتاكة آخرها وباء أنفلونزا الخنازير القادم الذي قد يصل الأمر به إلى أن يصبح وباءً دولياً ذا خطر عام. لهذا السبب وغيره قد يكون الانسحاب الأميركي المتوقع أكثر فجائياً وأكبر سرعة تطبيق مما يتوقعه المراقبون.

جامعة الإمارات

mhalyan@albayan.ae