حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لمبعوث الرئيس الأميركي جورج ميتشيل إن «إسرائيل تنتظر من الفلسطينيين أن يعترفوا بها كدولة يهودية قبل أن يطالبوا بدولة فلسطينية لأنفسهم»، فإن هذا يعني أن الحكومة اليمينية الجديدة المتطرفة ماضية قدما في عملية تهويد فلسطين، انسجاما مع أطروحات الحركة الصهيونية التي دعت منذ انطلاقتها إلى تجميع اليهود في دولة خاصة بهم على أرض فلسطين، ليحلوا محل الفلسطينيين.
ومنذ القرن التاسع عشر، قاد الصراع البريطاني ـ الفرنسي ـ الروسي القيصري على اقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية ومنها فلسطين، في المحصلة النهائية إلى الكارثة التي أصابت شعب فلسطين. فقد أعلن السير مونتفيوري البريطاني عام 1827 وجوب إقامة مستوطنات صهيونية في فلسطين تحت شعار أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وفي عام 1845 أعلن حاكم بسبلان البريطاني مينفورد أن تهويد فلسطين يمثل مصلحة أساسية لبريطانيا لدرجة أن تحقيق هذا التهويد يحقق مصالح بريطانيا أكثر من فكرة الدفاع عن اليهود والمسلمين. لقد جعلت مخططات الاستعمار القديم والجديد وأطماع الدول الاستعمارية، في القرن التاسع عشر والعشرين... والصراع الأوروبي على منطقة الشرق الأوسط ثم الصراع الأوروبي ـ الأميركي.. من شعب فلسطين الضحية الكبرى لهذه الأطماع لصالح الصهيونية العدوانية العنصرية والوليد الطبيعي لهذا الاستعمار.
كما أن وجود الدولة الصهيونية في فلسطين، كان ولا يزال هدفا استعماريا لا علاقة له بحل ما يسمى بالمسألة اليهودية، ولا بموضوع العداء للساميين، ولا بنتائج الاضطهاد المؤلم الذي عاناه اليهود على مر التاريخ في أوروبا.
لقد كسبت الحركة الصهيونية دولتها بالعنف، واستولت بالقوة على التراب الفلسطيني، وأسست دولة غريبة ليهود مهاجرين مستوطنين استناداً لقرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، المعروف بقرار التقسيم، الذي كان مرجعية شكلية للحركة الصهيونية لإقامة مشروعها المتمثل في الكيان الصهيوني «إسرائيل» بعد 50 سنة من كلام هرتزل.
على الرغم من موافقة الكيان الصهيوني على القرار 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر عام 1947، الذي ينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين، يهودية وعربية، فإن الدولة الصهيونية الناشئة قامت بخوض الحرب، وإراقة الدماء في العامين 1948و1949، مما أدى إلى سقوط ضحايا وتسبب بالمآسي في أوساط الشعب الفلسطيني، ومن ذلك نزوح السكان المدنيين الفلسطينيين وفقدانهم ملكياتهم، متحولين بذلك شعباً لاجئاً...
وكان العرب رفضوا قرار التقسيم المذكور، لأنه قرار غير شرعي، ومعاد للحقوق الطبيعية والتاريخية للعرب في فلسطين أولاً،ولأن القرار المذكور استباح الحق الطبيعي للشعب الفلسطيني،وبالتالي للأمة العربية في وطنه، ثانياً، ولأنه لا يجوز لدولة الانتداب البريطاني أن تتصرف بحقوق الشعب والدولة الموضوعة تحت الوصاية ولا بأرضها، ثالثاً، ولأن هذا الرفض مبني على البعد القومي للقضية الفلسطينية مرجعية ومسؤولية عن القرار والتحرير والتصرف، رابعاً.
ولما كانت إقامة الدولة الفلسطينية حقاً طبيعياً للشعب الفلسطيني، باعتباره شعباً، وهو حق يأتي من علاقة الشعب الفلسطيني بأرضه، ومن حق هذا الشعب التاريخي في إقامة دولة ذات سيادة فعلية وحقيقية في وطنه، ولا يأتي من قرارات دولية، فإن ميثاق الأمم المتحدة لا ينص، ولا هو من اختصاصه أن يعطي قرار استقلال، أو إقامة دولة، أو قرار حق طبيعي. لأن هذا الحق، كما ذكرنا حق طبيعي وتاريخي، ودور الأمم المتحدة حسب شرعيتها، أن تدافع عن هذه الحقوق الطبيعية، وأن تمنع الاعتداء عليها، حين تتعرض للاعتداء. وليس من حق الأمم المتحدة، أن تتصرف بالحقوق الطبيعية لشعب فلسطين.
إن الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية خالصة، يعني في الدرجة الأولى شطب القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة، والذي ينص على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهو بمنزلة الجوهر الحقيقي للقضية الفلسطينية.
ويعني بالدرجة الثانية، مواصلة الضغط المتعدد الأوجه القانوني والسياسي والعنصري لدفع فلسطينيي ال48 الذين يعيشون في إسرائيل، قبولهم بأحد الخيارين: العيش في ظل كيان حكم ذاتي وبرلمان وهيئة تنفيذية فلسطينية داخل إسرائيل، وهذا ما يقودهم إلى إخراجهم من الدولة وإخضاعهم للسيادة الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية في الوقت عينه. أو خيار الترانسفير أي الهجرة القسرية.
كاتب تونسي