بعد سقوط الكذبة الكبرى بقرار القاضي فرانسين قاضي المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال الشهيد الحريري، بناءً على توصية القاضي بلمار المدعي العام لهذه المحكمة، بالإفراج عن الضباط اللبنانيين الأربعة قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية، بعدما وجد إدعاء وقضاء المحكمة أنهم غير متهمين ولا حتى مشتبهين، بعد نحو أربع سنوات من الحبس الانفرادي في سجن «رومية» ظلماً وعدواناً بناءً على شهادة زور سقط صاحبها!
أسمح لنفسي الآن بنشر هذه الرسالة التي كتبتها بعنوان «سؤال للسيد ميليس» وأرسلتها بالبريد الالكتروني على ما أذكر لموقع الأمم المتحدة لتصل إليه، ولم أشأ نشرها في حينه، وبما أن الحقيقة بشأن الاتهام السياسي للأبرياء قد ظهرت، وحقيقة تسييس التحقيق وتلفيق الاتهامات قد ظهرت واضحة كالشمس، فلم يعد العنوان مجرد «سؤال للمدعي ميليس بل أكثر من سؤال، آخرهم» ترى هل تشعر الآن بوخز الضمير أو حتى بحمرة الخجل؟!!
«عدالة المحقق الدولي «ديتيلف ميليس».. الموقر..
عندما أعلنت الأمم المتحدة عن تكليفكم برئاسة لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وقرأت السيرة الذاتية لكم خامرني أولاً شعور بالثقة لأن وراءك ربع قرن من الخبرة في التحقيقات القانونية، وعلمت أن أبرز مناصبك في ألمانيا كان في الإدعاء العام في برلين، مما يطمئن على سلامة أداء التحقيق، بما يوفر من أدلة قاطعة وما يبرر الاشتباه أو الادعاء بتوجيه الاتهام.
ولأن شعوراً بالشك في نزاهة عملية التحقيق لم يختلط بمشاعري، ذلك أني أفترض في أي «قاضٍ للتحقيق» أياً كانت جنسيته أو ديانته أو حتى سياسته أن يكون كفؤاً بقدر كاف و«نزيهاً» بقدر أكثر كفاية، لأن قاضي التحقيق ينتمي في الواقع لأقدس وأخطر مهمتين بل رسالتين للإنسان على الأرض.
الأولى هي «القضاء» وهو طريق لسيادة العدالة، و«التحقيق» وهو طريق سيادة الحقيقة.. فأن تكون حكماً عدلاً بين المتقاضين، وأن تصل إلى الحق وتقيم العدل، فذلك طريقك إلى الله الحق الأعلى، والعدل المطلق، ولأن مهمة القاضي خطيرة ومقدسة كان القضاة المسلمون ينتابهم الرعب من ألا يستطيعوا أداء أمانتها والوفاء بمسؤوليتها، والحفاظ على نزاهتها، فكانوا يهربون من تولي منصب القاضي، لأنه إما أن يكون طريقهم إلى «الجنة» إن اتسموا بالكفاءة والنزاهة، وإما أن يكون طريقهم إلى «الجحيم» إن افتقروا إلى الكفاءة أو افتقدوا النزاهة.
وتذكر لنا كتب التاريخ الإسلامي أنه عندما كان القاضي ذو الضمير اليقظ الذي يدفعه حرصه بعد التحقيق بعدالة مع نفسه وخوفاً من عدم تحقيق العدالة بين الناس إلى رفض تولي المنصب، كان الحاكم يأمر بضربه ليجبره على قبول «التكليف» بمهمة القضاء، لأن مجتمعاً بلا قضاء نزيه هو مجتمع بلا عدالة، غير أنه في الواقع كان لدي شعور بالشك وعدم الثقة في شيء آخر لا يتصل بالكفاءة ولا يتقاطع مع النزاهة، شعور بأن هناك من يريد منكم شيئاً آخر لا يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة بقدر ما يستهدف توظيف اللجنة سياسياً بهدف استغلال أي تقرير تصدره لتفسيره على هواها ووفق منطقها لا منطوقه، وليكون ذريعة للإثارة الإعلامية العالمية سعياً لتطبيق خططها الانتقامية ضد هذه الدولة أو تلك وتصفية لحساباتها مع هذا الطرف أو ذاك، بغض النظر عن الحقيقة كما هي في الواقع، والوقائع كما هي في التقرير.
وللرسالة بقية، غداً لقاء