التحرك الواسع الذي تقوم به حكومة نتانياهو الآن، يرمي إلى تلميع طروحاتها؛ التي رفضها العالم. وبالتحديد الأوروبيون وإدارة أوباما. على الأقل، بحدود ما هو معلن. تنكرها الفجّ والاستفزازي، لمسيرة عملية السلام والمفاوضات ومآلها المنشود؛ وضعها في موقف مكشوف ومعزول، ولو في الظاهر.

لم يكن بإمكان حتى حلفائها، هضم شروطها التعجيزية. على الأثر عكفت على وضع لمسات برّانية على سياستها؛ عله يصبح من الميسور تسويقها. لكن الأمر في حقيقته، لا يتعدّى محاولة ذرّ الرماد في العيون؛ من أجل تحقيق غرضين مترابطين: تهرّبها من السلام ومستلزماته وتغيير الأولويات في المنطقة وإلزام الجميع بها.

المهام توزعت على الثلاثي ليبرمان، وبيريز ونتانياهو. الأول يتجوّل في عواصم أوروبية، تمهيداً للقائه مع الاتحاد الأوروبي في اجتماع لاحق، موسّع. الثاني، يلتقي غداً مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض ـ بعد مشاركته في مؤتمر اللوبي الإسرائيلي السنوي، في واشنطن ـ، كمقدمة لزيارة نتانياهو القريبة. الهجمة الدبلوماسية هذه، تحمل نفس البضاعة.

جرى تسريبها والترويج لها، مسبقاً؛ على أنها ستكون مفاجأة في موقف الحكومة. في هذا الإطار، تردّد أوساط نتانياهو بأنه سوف يعترف، في لقائه مع الرئيس الأميركي، بأن «الهدف في النهاية هو الدولة الفلسطينية»؛ ولكن ذلك لن يتحقق قبل مرور وقت طويل «يحتاجه التطوير اللازم للمؤسسات الفلسطينية، وحاجات التنمية الاقتصادية، هناك».

نفس المقاربة الليكودية الأصلية، مع تسليم مفتوح على الزمن، بالدولة الفلسطينية. اعتراف لا لون له ولا طعم. خاصة إذا كان صاحبه مشهودا له، حتى في إسرائيل، بأنه أستاذ في الكذب الفاقع. وزير خارجيته، الذي لا يحجب وجهه العنصري، تحدث، عشية جولته الأوروبية، عن الأولويات من دون مواربة. يزعم أن المسألة ليست ببساطة «الأرض مقابل السلام أو في حلّ الدولتين» ـ وهو الذي رفض هاتين المعادلتين بصراحة في أول تصريح له بعد توليه منصبه ـ، إنما هي في «إيران» التي تشكل «العقبة الأكبر».

وهنا لبّ الحملة، التي تحاول من خلالها إسرائيل نتانياهو وشركاه: وضع الملف الفلسطيني في جيب المستقبل المفتوح سقفه، بذريعة أن هناك في المنطقة ما هو أكثر أهمية وعجلة منه. وللتمويه على حقيقة مناورتها المفضوحة، سرّبت الحكومة بأنها تزمع إعلان قرارها بالانسحاب من شمال قرية الغجر اللبنانية المحتلة، علماً بأن ذلك كان من المفروض حصوله من زمان بموجب قرار دولي.

العملية مكشوفة: إسرائيل تعمل على فرض أجندتها في المنطقة وجرّ أوروبا وإدارة أوباما للالتزام بها. كلاهما يزعم العكس. مصداقيتهما على المحك.