مشهدان رئيسيان ميّزا الساحة اللبنانية خلال الأيام القليلة الماضية وقد يكونا مترابطين لدرجة قد تجعلهما مقدّمة لأي تطور سياسي ملحوظ في المستقبل. الأول تمثّل باستمرار التحضيرات والاستعدادات الحثيثة للانتخابات البرلمانية الطائفية، والثاني بإطلاق نشاط المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من خلال إطلاق سراح الضباط الأربعة الكبار بعد فترة طويلة من الاعتقال المبهم.

في المشهد الأول يبدو التقاسم الطائفي كما العادة هو سيد الموقف في ما يخص حركة أداء القوى السياسية الفاعلة، تليه في مراتب أخرى الأحكام والتوجهات الوطنية وما شابه، في حين تتراجع إلى مراتب دونية البرامج الخدماتية التي تمس احتياجات المواطنين بشكل مباشر.

وهو ما يجعل من هذه الانتخابات فريدة من نوعها حقا. ففي دول ومناطق أخرى قريبة أم بعيدة، يكون الشأن المطلبي أساس ومحور أي نشاط انتخابي إلى المجلس التشريعي، فيتنافس المرشحون من خلال برامجهم الخدماتية محاولين إقناع الناخب (بشتى الطرق الشرعية أو غير الأخلاقية) بأنهم الأفضل لتنمية المناطق وتسيير شؤون الناس، في حين تتراجع الأمور السياسية ذات الطابع الاستراتيجي إلى مراتب متخلفة لأنها لا تهم المواطن كثيرا.

أما الوضع في لبنان فمحكوم على أساس تركيبات غريبة عجيبة لا علاقة لها بالشأن الخدماتي، وإن كان هذا الأمر يشكّل هامشا بسيطا من تحرك المرشحين في الفترة التي تسبق انطلاق المعركة الانتخابية بقليل.

ويبدو الأمر هنا معكوسا بشكل كلي، لأن القوى السياسية تعتمد في حملاتها الانتخابية على الشأن السياسي الاستراتيجي قبل الخدماتي، عاكسة بذلك طبيعة شخصية المواطن اللبناني التي أصبحت مشوّهة بسبب الحروب والنزاعات الكثيرة. هذا بالطبع رأي شخصي لأن هناك كثيرين ممّن يعتقدون بأن طريقة التفكير هذه تعكس في الواقع نضجا سياسيا، لا تخلّفا في واقع الدفاع عن النفس من قبل مواطن يأمل كغيره من أبناء البشر بتأمين أسلوب عيش كريم له ولأبنائه.

لكن في خضم هذه المعمعة يحرص المعسكران المتناحران حاليا في لبنان على تقديم أنفسهما كممثلين لمشروعين وطنيين كبيرين سيشكل انتخابهما نقلة نوعية في الطريقة التي ستُدفع من خلالها البلاد أو تسيّر العباد.

والمفارقة أن كليهما يعتبر نفسه وطنيا مخلصا ويحرص على حجب هذا الوصف عن الآخر، لاعتبارات مرتبطة طبعا بطبيعة المعركة الانتخابية الشرسة والمليئة بمشاعر الكراهية والحقد. هذا يبدو جليا من طريقة استخدام الأفرقاء المعنيين لمصطلح الوطنية بهدف تجييش وشحن النفوس، ناسين أو متناسين لا فرق أن الوطنية تتطلب من الجميع تغليب مصلحة الوطن على المصالح الحزبية والانتخابية الضيقة، حتى لو كان ذلك سيؤدي لخسارة مقعد أو موقع سياسي ما.

الفرادة الأخرى في ما يجري على الساحة اللبنانية هو طريقة توزع القوى السياسية وتحركها بين هذا الحقل أو ذاك. فالتوزيع القائم حاليا لا يبدو لي ثابتا إلى ما لا نهاية، وهو مرشح مثلما كان دائما للخضوع لتغييرات جذرية قد تفرز تحالفات أو مواقع جديدة من نوعها، لأنها مبنية أصلا على مبادئ ركيكة في مدى انتمائها أو تحالفها الاستراتيجي.

إنها بكل بساطة تحالفات مرحلية تقاطعت معتمدة على أسباب مختلفة لتفرز هذا الواقع السياسي المرشح للتغيير في أية لحظة في المستقبل. وشخصيا لا أعتقد بأن تحالفات 14 مارس أو 8 مارس ستبقى على حالها بعد هذه الانتخابات، حتى لو بدا أقطابها متماسكين في ما بينهم حاليا لاعتبارات مرتبطة بالواقع السياسي القائم. مقابل هذا المشهد المخضب بالوطنية الفريدة من نوعها أطلّت علينا واقعة إطلاق سراح الضباط الأربعة الكبار الذين اعتقلوا على اثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق المرحوم رفيق الحريري.

وتتسم هذه الواقعة بأهمية قصوى وترابط حقيقي مع الانتخابات النيابية الحالية، باعتبار أن الفرز الذي يحاول طرفي النزاع إقناعنا به قد انطلق بوضوح بعد حادثة الاغتيال المشئومة، وبالتالي فأن نتائج الانتخابات الحالية ستكون إما مكرّسة للواقع الذي ساد بعد تلك الحادثة أو مهيّئة لتطورات جديدة ذات بعد آخر. إضافة لذلك، فأن إطلاق سراح هؤلاء قد عنى بالشكل العملي انطلاق سير عمل المحكمة الدولية المكلّفة بكشف حقيقة هذا الاغتيال ومن يقف وراءه.

ولعلّ التوقيت في هذه المسألة كان مقصودا لتحقيق سلسلة من الأهداف، أبرزها إقناع قسم من الرأي العام اللبناني بنزاهة هذه المحكمة وعدم خضوعها لتسييس من أية جهة كانت، خصوصا أن هذا القسم كان مشككا منذ البداية بطابعها وطريقة أدائها. ويبدو بأن القائمين على هذه المحكمة قد نجحوا إلى حد ما في تحقيق هذا الهدف، لكنهم أثاروا من جهة أخرى مجموعة من الوقائع المثيرة للنقاش على أكثر من صعيد.

أولى تلك الوقائع مرتبط بطريقة عمل القضاء اللبناني الذي بدا من خلال هذه العملية وكأنه طري العود أو على الأقل منحاز إلى طرف دون الآخر، وإلا كيف يمكن تفسير بقاء الضباط طوال هذه الفترة دون اعتماد القضاء المحلي (والدولي أيضا) على أية أدلة أو قرائن تثبت ضلوعهم أو تورطّهم أو حتى معرفتهم بحيثيات اغتيال المرحوم رفيق الحريري وما تلاها لاحقا من اغتيالات أخرى؟. إنها أسئلة محقة قد يطرحها كثيرون، برغم معرفتهم بأن إطلاق هؤلاء من السجن لا يعني منحهم صك البراءة النهائي، وأنهم لا يزالون شهودا رئيسيين في هذه القضية الحساسة.

لقد أظهرت عملية إطلاق سراح الضباط حجم الخطأ الإنساني الذي يمكن ارتكابه بحق أي شخص بغض النظر عن حجم الجريمة التي أُجبر على الانتماء إليها. المؤسف أنها ستساهم أيضا بتأجيج حجم الحقد والكراهية الكامن في نفوس المنقسمين، وستسمح للبعض باستخدام هذه المأساة كجزء أساسي لحملتها الانتخابية.. لا لأنها متعاطفة معهم، بل لأن ذلك سيكون مفيدا للتجييش والتحريض.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz