كم أتمنى لو أن الحالة الصحية والذهنية للروائي الكولومبي الشهير (جابرييل جارسيا ماركيز) الذي جاوز الثمانين تسمح له بالكتابة ليلحق روايته الشهيرة (الحب في زمن الكوليرا) برواية جديدة نقترح أن يطلق عليها (الحب في زمن الأنفلونزا). فمنذ أن طيّرت وكالات الأنباء خبر ظهور المرض الجديد (أنفلونزا الخنازير) .

والعالم يعيش حالة من الذعر لم يشهدها منذ انتشار مرض (أنفلونزا الطيور) الذي تراجع إلى الصفوف الخلفية وكاد يتوارى لولا ظهور حالة هنا وأخرى هناك بين فترة وأخرى في مناطق قليلة ومحدودة من العالم، كما هو الحال بالنسبة لمرض (جنون البقر) الذي كادت أخباره تختفي تماماً من على خارطة الأنباء، وكأن كل أبقار العالم قد عقلت فجأة ولم تعتد تعتريها نوبات الجنون التي تسبب فيها البشر نتيجة جهلهم أو جشعهم أو الأمرين معاً.

مرض (أنفلونزا الخنازير) الذي يُعتقد أن فيروسه قد ترعرع في المكسيك في قرية بولاية (فيراكروز) شرقي العاصمة (مكسيكو سيتي) غادر تلك القرية الصغيرة لينتشر في أنحاء العالم المختلفة عابراً الأجواء والبحار ليواصل انتشاره متنقلاً بين البلدان غير مفرق بين شرق وغرب، ولا شمال وجنوب، ولا جنس وجنس، ولا عرق وعرق، ولا ديانة وأخرى.

وبعيداً عن متاهة التفاصيل الطبية للمرض والإجراءات الوقائية التي يجب أن تتخذ للحد من انتشاره وتحوله إلى وباء يمكن أن يفتك بحياة نحو سبعة ملايين شخص (وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية) يظهر لنا من هذه الأزمة أن الخوف والرعب يوحدان البشر أكثر مما يوحدهم الأمن والرخاء، بدليل أن الأزمة المالية العالمية وحّدت العالم في حين أن أغلب حروب الألفية الثانية اندلعت في أزهى عصور الازدهار الاقتصادي.

ورغم الهلع الذي يجتاح العالم الآن من (أنفلونزا الخنازير) إلا أنه ليس أخطر ما يواجه البشرية، ذلك أن الجوع وسوء التغذية يمثلان الخطر الأول الذي يهدد العالم وفق تقارير (برنامج الأغذية العالمي) التابع للأمم المتحدة، إذ أن واحداً من بين كل سبعة أشخاص في العالم عاجز عن تلبية احتياجاته الغذائية الأساسية ليعيش حياة صحية نشيطة، وتقول التقارير إنه في الربع الأخير من القرن العشرين كانت الإنسانية على وشك الانتصار في حربها على عدوها القديم الجوع.

ففي الفترة من عام 1970 إلى عام 1997 تراجع عدد الجياع من 959 مليوناً إلى 791 مليون شخص نتيجة التقدم الكبير في خفض عدد الذين يعانون من سوء التغذية في الصين والهند، لكنه عاد في النصف الثاني من عقد التسعينات إلى الارتفاع في البلدان النامية بمعدل أربعة ملايين شخص سنوياً، وارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية في العالم خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2002 إلى 852 مليوناً؛ منهم 815 مليون شخص في البلدان النامية، و28 مليون شخص في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية، وتسعة ملايين شخص في البلدان الصناعية.

هذا العدد من الجياع المعرضين للموت في أي لحظة يفوق بكثير عدد الذين من المتوقع أن يفتك بهم داء (أنفلونزا الخنازير) فيما لو خرج عن السيطرة وتحول إلى وباء يجتاح العالم، فماذا قدمت الدول العظمى ذات الإمكانات الاقتصادية الهائلة والفوائض الكبيرة في المنتجات الزراعية التي تُتلف أو يلقى بها في البحر كي لا تتدنى أسعارها بدلاً من التبرع بها لأولئك الذين يعانون الفقر والمجاعات؟ وماذا فعلت للتخفيف من معاناة هذه الشعوب سوى السعي لنشر الديمقراطية بينها ؟

كما يدعي قادة الدول العظمى ؟ في الوقت الذي تحتاج فيه هذه الشعوب إلى الغذاء أكثر مما تحتاج فيه إلى هذه الديمقراطية المزعومة لأنها تعيش تحت خط الفقر، تعاني أراضيها من الجفاف والقحط، وتنتشر بينها المجاعات التي تحيل أفرادها إلى هياكل عظمية قبل أن يفتك بهم الجوع والمرض ويقضي عليهم؟ فماذا تفعل الديمقراطية بالبطون الخاوية والعيون الزائغة والأفواه الفاغرة؟!

هذا هو السؤال الذي تطرحه موجة الرعب التي تجتاح العالم منذ ظهور (أنفلونزا الخنازير) وتصدُّرِها للأحداث في نشرات الأخبار التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة وهي تنقل لنا تطورات المرض لحظة بلحظة، وتحصي إصاباته وضحاياه، وتستضيف ذوي الاختصاص ليهدئوا من روعنا ويقدموا لنا النصائح التي تقينا شر التعرض لهذا المرض الفتاك الذي فاجأ العالم بظهوره، وأربك السلطات الصحية، وأشاع الذعر في المطارات ومنافذ الدخول في كل بلدان العالم.

إن هذا الالتفاف من قبل جميع الدول لدرء الخطر القادم مع هذا الفيروس الجديد صحي ومشروع، لكنه يدعونا إلى التساؤل عن مدى حاجتنا كل فترة إلى نوع من الفيروسات الحميدة، يخرج ما في نفوسنا من غل وأطماع ومؤامرات ورغبات تشعل الحروب التي نشاهدها في كل مكان تنشر القتل والدمار، وتحرق الأخضر واليابس، وتعيدنا إلى الوراء قروناً، حيث يسود قانون الغاب فيفتك القوي بالضعيف، ويأكل الكبير الصغير، ولا يعود ثمة مكان لتأنيب أو محاسبة من ضمير.

(الحب في زمن الأنفلونزا) رواية تستحق أن يكتبها روائي مبدع ونحن نمر بمرحلة لا نعرف فيها إلى أين سيقودنا جنون البشر، فالحب وحده كفيل بالقضاء على كل الفيروسات التي تنهش جسد البشرية وتنشر الفوضى في عالمنا، وتحيلنا إلى حقل تجارب لكل أنواع المضادات غير الحيوية، ولكن من أين لنا بروائي في براعة (ماركيز) ومقدرته على كتابة النهايات السعيدة لأوقات انتظار الأشياء التي تأتي دائماً متأخرة كما فعل الروائي الكولومبي الشهير مع (فلورنتينو أريثا) و(فيرمينا داثا) بطلي روايته الرائعة (الحب في زمن الكوليرا)؟

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com