في أوكرانيا يدور الصراع على السلطة والرئاسة بين ثلاثة جبهات، الأولى هي الرئيس فيكتور يوشينكو الذي يضع كل رهاناته على الغرب وواشنطن ولديه إيمان قاطع بأنهم لن يتخلوا عنه نظرا لاهتمامهم الشديد والبالغ بأوكرانيا إستراتيجيا، والجبهة الثانية هي رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكا التي تظهر نفسها وكأنها حريصة على مصالح الدولة والشعب وتسعى للتفاهم مع روسيا على القضايا الاقتصادية، وخاصة قضية الغاز، لكنها لم تحسم علنا موقفها السياسي، وهناك الجبهة الثالثة وهي رئيس المعارضة في البرلمان فيكتور يانكوفيتش الذي لا يخفي ولاءه لموسكو.

بين الجبهات الثلاث تتناثر الاتهامات، وعلى رأسها الاتهام بخيانة الوطن، الرئيس يوشينكو يتهم رئيسة الحكومة تيموشينكا بالخيانة الوطنية لأنها تهادن موسكو وتوافق على كل تصرفاتها ضد أوكرانيا وجورجيا التي يعتبرها يوشينكو أقرب الأصدقاء لأوكرانيا.

وتيموشينكا تتهم الرئيس يوشينكو بخيانة الوطن والشعب بدخوله في مغامرات لحساب الغرب ضد مصالح شعبه، مثل دعمه العسكري لجورجيا، أما يانكوفيتش حليف موسكو فيتهم الآخرين بالعمل لحساب الغرب بينما هم يتهموه بالعمالة لموسكو، وهكذا يدور مسلسل الصراع على السلطة في أوكرانيا وسط اتهامات بالعمالة والخيانة، وكأن على الشعب أن يختار الأفضل بين العملاء والخونة.

الرئيس يوشينكو لا يخفي ولاءه الكامل للغرب وواشنطن بل ويطلب منهم المساعدة علنا، وأكثر من ذلك يستعين بخبراء عسكريين غربيين لإدارة شؤون الأمن في البلاد، وقد قام مدير الجهاز الأمني الأوكراني فالنتين ناليفايتشينكو منذ أيام بتعيين سيدة بريطانية هي بريدجيت أوستين، وهي موظفة سابقة في أحد أجهزة المخابرات البريطانية، مستشارة له.

وهي وظيفة جديدة استحدثت منذ عام، وقيل وقتذاك إنه يجب أن يشغل خبير من حلف شمال الأطلسي هذه الوظيفة، ولكن مراقبين كثيرين رأوا أن وضع مبعوث من حلف شمال الأطلسي في هذا المنصب أمر غير جائز في وقت تعبر فيه روسيا المجاورة عن استيائها من سعي حكام أوكرانيا إلى الاندماج في تكتل عسكري يعتبر معاديا لروسيا، ولهذا قررت القيادة الأوكرانية تأجيل البت في هذا الموضوع آنذاك لتحسمه منذ أيام بتعيين السيدة البريطانية في هذا المنصب الحساس واعتبرت المعارضة الأوكرانية أن هذا يعتبر انتهاكا واضحا لسيادة البلاد.

وكان الحديث عن فقدان السيادة قد انتشر في صيف 2008 في الشارع الأوكراني عندما قام سفير الولايات المتحدة بمنح خريجي إحدى مؤسسات التعليم العسكري الأمني الأوكرانية رتبة ضابط، وبعد ذلك قدم أكثر من 120 شخصا طلب الاستقالة من القوات الأمنية الأوكرانية معللين موقفهم بأن حضور سفير دولة أجنبية لحفل تخريج ضباط القوات الأمنية أمر غير معقول في دولة مستقلة.

الواقع أن قيادات الجيش الأوكراني الذين أكثرهم سبق له أن خدم في الجيش السوفييتي إلى جانب زملائهم الروس يتعاملون مع التواجد العسكري الغربي بغضب شديد ويعتبرونه إهانة لشرف العسكرية ألأوكرانية، وهذا في حد ذاته هو رأي الغالبية في الشارع الأوكراني، لكن النظام الحاكم يحاول أن يقنع الآخرين بأن هذا ليس تدخلا ولا خرقا للسيادة بل هو مجرد تعاون دولي، ولكن هذا الأمر لم يقنع قادة الجيش الأوكراني.

وقد أعلن النائب الأول لقائد القوات ئالبحرية الأوكرانية فيكتور مكسيموف بأنه لن تشارك وحدات عسكرية أميركية وأجنبية أخرى في مناورات «سي بريزـ 2009» التي ستجرى في جزيرة القرم صيف هذه السنة.

وترافق هذه المناورات المتعددة الجنسيات التي تجرى سنويا فعاليات احتجاج جماهيرية بمشاركة مناهضي انضمام أوكرانيا إلى الناتو. وقد سبق أن تسببت هذه الاحتجاجات الشعبية في إلغاء المناورات صيف عام 2006. ومازال سؤال السيادة في أوكرانيا مطروحا ومحل جدل كبير لن يحسمه في النهاية إلا رأي الناخب الأوكراني في انتخابات الرئاسة القادمة.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru