«وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما..» (الآية 82، سورة الكهف)، أب صالح لا يفكر بأنانية في ملذاته وشهواته، بل يستقرئ برؤيته البعيدة المدى مستقبل أبنائه ومتغيراته، ليدرك أنه لن يبقى على قيد الحياة حتى يبلغوا سن الاعتماد على النفس، وأن مخاطر العوز والحاجة التي ستحيق بهم لو بلغوا تلك السن وليس لديهم مورد مالي يعتمدون عليه في الإنفاق منه ستجعل حياتهم مستحيلة أو بالغة الصعوبة،
وهكذا تلهمه بصيرته أن يضحي بجزء من حاجاته ويدخر لأبنائه المال الذي كان سيذهب ثمناً لها، ولأنه لا يأمن عليه من الأعين الطامعة والنفوس الضعيفة فإنه يخفي هذه المدخرات في مكان في غاية الأمن، ويترك لأبنائه العلامة التي تدلهم عليها؛ وبهذا المستوى من الاستشراف والتفكير والتخطيط والتنفيذ كان له ما أراد.
هنا في هذه الصورة المدهشة إضاءات شديدة الدلالة أيضاً وإن لم تذكر صراحة في سياق النص، بل اختصرت اختصاراً شديداً في عبارة: «وكان أبوهما صالحا»، وإن كان الاستدلال على تلك الإضاءات منطقياً وشديد الظهور، لأن الإنسان لا يكتسب صلاحه هذا إلا بالعلم والدراية والتدبير والعمل السديد الذي يُحسب حساب كل خطوة فيه، وهذا ما جعل ذلك الأب واعياً ليستشعر خطورة عيش أبنائه في مجتمع أناني وانتهازي.
فلن يمد يد المساعدة لهم بعد موته، كما جعله مدركاً أن المال في حد ذاته ليس كل شيء، وقد يبذّره الأبناء فيما لا جدوى منه، ولذلك فإنه يحتاج إلى معرفة وإلمام بكيفيات المحافظة عليه (ادخاره) والإنفاق منه (استهلاكه) وتنميته (استثماره)، وأن هذه المعرفة تحتاج إلى مستوى عال من التربية والثقافة والأخلاق أثناء التعامل بتلك الكيفيات مع الغير،
وأن هذا التعامل يحتاج إلى قدرات ومهارات شخصية ونفسية تضبط حركة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وهكذا يتكامل نموذج التخطيط لمستقبل الأجيال القادمة، وبهذا التطبيق العملي أكمل لهم في حياته جانب نقل المعرفة والأخلاق بحكم صلاحه، واكتنز لهم الجانب المادي حتى يحين وقت الحاجة إليه بعد موته بحكم بُعد بصيرته، وهذا متأكد بقول الحق سبحانه: «فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما..» لأن الرجولة أكثر اقتداراً ذهنياً وبدنياً على المحافظة على المال والتصرف فيه برشد.
وهذا النموذج هو الذي تستخدمه المجتمعات اليوم لتحضير العوامل التي تساعد أجيالها القادمة على الاستمرار والمنافسة والنمو والتفوق، ولكن مع تغيّر الأساليب التي تتغير بتغير الأزمان والثقافات والبيئات والإمكانيات المعرفية، مع انتقال المهمة من طور المبادرات الفردية بين أفراد المجتمع عندما كان الأفراد يتمتعون بحسّ المسؤولية، ويمتلكون ثروة من القدرات المعرفية أو الحكمة المتراكمة،
أما اليوم وبسبب انحسار ذلك الحسّ وتضاؤل تلك القدرات مع طغيان الشعور بالأنانية، فقد تطور الاهتمام بمستقبل الأجيال القادمة من إطاره الفردي ليصبح مهمة ومسؤولية وأمانة تقع على عاتق المجتمع أو الدولة، وليأخذ بالتبعية طابعه المؤسساتي.
وإسقاطاً لهذا النموذج المتكامل على أرضية الواقع، فإن الأجيال المقبلة تحتاج أولاً إلى تحضير مالي واقتصادي يقوم على مبدأ اقتطاع جزء من مداخيل الدولة ومواردها المالية الفائضة عن الحاجة أو المصنفة على أنها نوع من الإنفاق البذخيّ، وتكوين صندوق ادخاري واستثماري آمن يصبح مورداً مالياً طارئاً لتلك الأجيال إذا ما شحّت الموارد الاعتيادية أو الثروات الطبيعية؛ ولكن هذا النوع من التحضير لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن استكمال عناصر البنية التحتية المعمّرة، وتعضيد الاقتصاد بالمؤسسات ذات النمط الإنتاجي، هو من قبيل هذا التحضير الذي لن يضطر الأجيال القادمة إلى استنزاف موارد «صندوقها» أو «إرث» أجيالها السابقة.
كما يندرج استكمال المنظومات الاقتصادية والمالية من النواحي الهيكلية والتشريعية والتنظيمية وعلى رأسها بناء المؤسسات الادخارية والاستثمارية والتخطيطية كلازمة من أكثر لوازم ذلك التحضير إلحاحاً وأهمية؛ ويأتي نشر ثقافة قيمة المال عند الجيل الجديد وتغيير النمط الإنفاقي الإسرافي السائد في توفير احتياجاته وترشيده من الاتجاه نحو الكماليات إلى الاتجاه نحو الضروريات.
ولأن هذا التحضير المالي والاقتصادي لا يحقق الهدف النهائي وحده، بل يتطلب تحضيراً قيادياً منهجياً يتيح للأجيال المقبلة وفي جميع الظروف أن تجد بين صفوفها المواهب القيادية الكفؤة والقادرة ذهنياً ومهارياً ونفسياً وشخصياً على استلام زمام المسؤوليات العليا للدولة، وعلى توظيف قدرات الدولة وإمكاناتها من أجل مصالحها الاستراتيجية ومكانتها السياسية ومكتسباتها الحضارية،
وأن تتصف هذه القيادات بالاستعداد للعطاء وبذل التضحيات ولو كانت على حساب المصالح الشخصية؛ كما يتطلب هذا التحضير بناء أجيال من المستويات الوظيفية القيادية المختلفة، كالمستويات الداعمة والمستويات المساندة حتى تتكامل منظومة الجهاز البشري كعقل واحد مفكر؛ كما تتطلب هذه العملية التحضيرية مقداراً عالياً من التأني والصبر فلا يُزجّ بهذه المواهب القيادية إلى المقدمة قبل نضجها ذهنياً ونفسياً وعاطفياً واستكمال عمليات تحضيرها معرفياً وسلوكياً، وتحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى قدر فائق من الموضوعية التي تجعل الموهبة والكفاءة والورع هما معيار التفاضل أما بقية العناصر التفضيلية فيجب أن يُلقى بها جانباً.
ولأن الأمم في الأصل لا تورث الأموال، بل تورث الآمال والطموحات والمسؤوليات، فإن التحضيرات الآنفة الذكر تحتاج إلى وضع لمسات أخيرة عليها، وهو التحضير الثقافي والحضاري الذي يستدعي إبقاء وهج الرسالة التي انتدب المجتمع نفسه لحملها متألقاً ومشعّاً، ويستدعي استيحاء المبادئ والقيم والمضامين التي تكتنزها تلك الرسالة، وصياغة ميراثها الثقافي من خلال أوعية الأدب والفن وفروع المعرفة.
وهو أيضاً تحضير يستدعي المحافظة على حكمة الأجيال السابقة وصياغتها في إطار تراثي يحفظ للأجيال القادمة هويتها وملامحها وانتماءها وولاءها وشخصيتها وتميزها ورموزها ومساحة مشاركة أمتها في الحضارة الإنسانية؛ وهو تحضير يستدعي مع ذلك المحافظة على الأطر العامة للمنظومة الاجتماعية، من خلال تصحيح مسارات هذه المنظومة ابتداءً من الفرد إلى الأسرة ووصولاً إلى الأمة، وأيضاً بوضع الأجهزة والأدوات والأساليب التي تُبقي المجتمع فاضلاً ومبادراً ومتكافلاً ومتسع الأفق.
وفي ظروف كظروف دولة الإمارات، ذات المصدر شبه الوحيد للدخل، ومع ذلك فهو مصدر مهدد إما بالنضوب وإما باكتشاف بدائل للطاقة، وفي ظروف أن الدولة لا تمتلك الكثافة السكانية العددية والنوعية التي تقلل احتمالات الاعتماد على العمالة المؤقتة أو المهاجرة، وفي ظروف تزايد الأطماع الخارجية بسبب ثقل الدولة الاستراتيجي والاقتصادي.
وفي ظروف قيام احتمالات الانهيارات والأزمات المالية العالمية التي لا تدع بيئة اقتصادية ومالية آمنة على وجه الأرض، وما يستتبعها من سرقات وعمليات نهب مالية تحت سحب الغبار المتصاعدة من تلك الانهيارات والأزمات، فإن «كنز الأجيال القادمة» يصبح مسؤولية قومية، وبرنامج عمل شاملاً، وثقافة عامة، وميراث الذاهبين من الجيل الحاضر وعربون تضحياتهم للآتين من أجيال المستقبل.
كاتب إماراتي