المئة يوم الأولى لإدارة الرئيس أوباما تستوقف المراقبين لتقييم أولي حول انطلاق الإدارة الجديدة ولمحاولة استكشاف الخطوط العامة لسياسات هذه الإدارة في مجالات مختلفة. فكرة المئة يوم الأولى وهو موعد وهمي، صارت تقليدا في السياسة الأميركية، أطلقها فرنكلين روزفلت عام 1933.
ويبدو أن الرئيس الجديد انطلق بقوة من حيث الالتفاف الشعبي حوله من جهة إذ دل استفتاء أجرته الواشنطن بوست على أن 69% من الأميركيين يؤيدون سياسة الرئيس كما انه استطاع أن ينجح في الامتحان الأول: امتحان ترجمة شعاراته ووعوده الانتخابية إلى بدايات لسياقات سياسية جديدة من جهة أخرى.
نجح اوباما في الحصول على دعم الكونغرس لمشروع ميزانيته في ظروف أزموية أميركية ودولية كبيرة واستطاع أن يطلق تغييرا في سياسات تتعلق بملفات أساسية أميركية داخلية منها قضايا حقوق العمال والبيئة وصنع القرار فيما يتعلق بمسائل الأمن القومي إذ أسس لعودة الدبلوماسية وتراجع العسكريتارية في صنع السياسة الخارجية وأعلن عن إغلاق معتقل غوانتانامو وتحلى بشجاعة وبمخاطرة سياسية في الداخل الأميركي عندما أعلن عن ضرورة الكشف عن التجاوزات التي جرت في المعتقل تحت عنوان محاربة الإرهاب.
والجدير بالذكر أن تعبير محاربة الإرهاب قد اسقط من الخطاب الأميركي كما أسقطت كل الإشارات والإيحاءات بالاسلاموفوبيا، وهذا بحد ذاته يشكل موقفا شجاعا وجريئا لإحداث قطيعة مع «جرح 11 سبتمبر» الأميركي والصدمة التي أحدثها والتداعيات التي نتجت عنه، والسياسات الأميركية التي تغذت على ذلك الجرح.
الجرح الذي رعته الإدارة الأميركية السابقة وشكل وقودا وشرعية للسياسات الأحادية والعسكرية والصدامية لتلك الإدارة في العالم. تغير في الخطاب، في مفرداته وتعابيره ولو أن سياسة محاربة الإرهاب ستبقى أولوية أميركية، تغير في المقاربة وتغير في الرؤيا.
هذه تشكل ثلاثية الإدارة الجديدة. فالانخراط مع الخصم والعدو ضمن لعبة الجزرة والعصا صار عنوان التعاطي الدبلوماسي وبالخصوص مع إيران وكوريا الشمالية وكوبا، والانتهاء من لغة التعالي الحضاري الذي أسس لمنطق صدام الحضارات واحدث توترا في علاقات أميركا الدولية تراجع كليا وسقط منطق الغربوية أو التفوق الغربي على الآخر وعالمية القيم الغربية ووجوب فرضها والتدخل في شؤون الآخر باسمها.
وصار الحوار مع الآخر كما برز من خلال «الخطاب الإسلامي» لأوباما في تركيا ركنا أساسيا في رؤية الرئيس الأميركي الجديد.
مفهوم محور الاستقرار حل محل محور الشر في التعاطي مع القوى «المشاكسة» في العالم مما يعني انتهاء ما سماه البعض «بالسياسة التحويلية»: سياسة بناء الأمم ومؤسساتها على الصورة الغربية وفرض الديمقراطية أو توخيا للدقة رفع هذا العنوان لتبرير التدخل في شؤون الآخر وهي سياسة حاملة للصدام ولمزيد من غرق الولايات المتحدة في النزاعات التي تتدخل لتسويتها.
وهنا المفارقة فتحت عنوان البحث عن الاستقرار تغرق واشنطن في رمال تلك النزاعات وتزيد في تأجيج النار والتوتر.
هذا ما اكتشفته واشنطن في العراق وما هي بصدد مراجعته في أفغانستان . انتهت «السياسة التحويلية» لتحل محلها «السياسة التفاعلية» أو سياسة استكشاف المصالح المشتركة مع الآخر والبناء عليها.
إنها العودة إلى الواقعية وربما إلى ما يمكن تسميته بالواقعية الجديدة التي تأخذ بعين الاعتبار دروس الماضي القريب والبعيد لسياسات أسست لعدم الاستقرار تحت عنوان فرض الاستقرار . ولا أدل على ذلك من فهم اوباما لثنائية الانتخابات والديمقراطية فهو يعتبر انه من الخطأ الخلط بين المفهومين ويذكر بمفهوم روزفلت عن الحريات الذي يشمل التحرر من العوز والتحرر من الخوف.
وبالتالي فالديمقراطية تستدعي مقاربة شاملة تنموية تتعاطى مع الشأنين الاجتماعي والاقتصادي إلى جانب الشأن السياسي والانتخابات ليست مجرد آلية بل منظومة قيم، خاصة عندما لا يكون هنالك تقليد انتخابي وبالتالي لا تحمل الجواب المطلق، لا تحمل الجواب المطلق للخروج من أزمة أو لوقف حرب أو نزاع بل هي جزء من سياق تغييري اشمل.
إنها نظرة مركبة وغير عقائدية لأوضاع معقدة في الدول النامية والدول التي تعيش نزاعات وصراعات يتداخل فيها المحلي بالخارجي والاثني بالاستراتيجي. نظرة مركبة تبقى شرطا ضروريا لتعامل فاعل وبالتالي ناجح في إطفاء الحرائق القائمة.
من مظاهر النجاح «الأوبامي» إعادة بناء الثقة مع أميركا اللاتينية، مع «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة المنسية أو المتجاهلة لسنوات طويلة في عهد بوش وإطلاق خطاب في القمة الأميركية منفتح ومتحاور مع الكل الأميركي، واعد بالانخراط ولو التدريجي مع كوبا يوازي في أهميته خطاب اوباما في تركيا، مشكلا بذلك بداية المصالحة مع أميركا اللاتينية.
وتقول رئيسة الأرجنتين في هذا الصدد واصفة الوضع الجديد بأن اوباما أطلق «حوارا مختلفا وأفقيا» بمعنى آخر كبديل عن الخطاب الفوقي الذي اتسمت به سياسات الإدارة السابقة.
رغم هذا النجاح في اجتياز امتحان المئة يوم الأولى وهو دون شك امتحان هام على صعيد الصورة والسمعة والمصداقية إلا أن هنالك تحديات كبيرة قائمة أمام الرئيس الجديد ستشكل دون شك الامتحان الفعلي للنجاح في إطلاق مقاربات سياسية مختلفة للإدارة الأميركية منها دون شك المشكلة الأفغانية الباكستانية وكيفية وقف التصدع الحاصل في باكستان وهو شرط ضروري للنجاح في أفغانستان وشمولية المقاربة المطلوبة سواء على صعيد الأطراف الخارجية التي يجب إشراكها في هذا الأمر أو على صعيد ما يجب أو ما يمكن أن تقوم به السلطة الباكستانية داخلية.
وهنالك تفاقم القضية الفلسطينية حيث ينتظر الجميع في الشرق الأوسط ما ستكون عليه الحركة الأميركية في هذا الخصوص وكيفية ترجمة التصريحات إلى سياسات وهل ستذهب واشنطن للصدام مع إسرائيل أم ستسقط في واقع استمرارية الوضع القائم المتهاوي مع خطاب مختلف لكن دون تأثير على الأرض، ثم هنالك تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية والى أي مدى سيذهب الرئيس في سياسات حمائية في الداخل وفي سياسات تقوم على إنشاء نسق تنظيمية على الصعيد الدولي ليس فقط لاستيعاب الأزمة الحالية بل لتلافي حصول أزمات من هذا النوع مستقبلا..
من التحديات أيضا يبرز التساؤل حول كيفية معالجة الملف الإيراني في لعبة الجزرة والعصا وما هي السيناريوهات المحتملة والممكنة والمرغوبة لنتائج سياسة الانخراط التدريجي والبطيء تجاه إيران.
السؤال ذاته على الأقل بعناوينه الكبيرة يطرح أيضا حول السياسة الأميركية تجاه كوريا الشمالية رغم الاختلافات على الصعيد الإقليمي بين الحالتين الإيرانية وكوريا الشمالية ثم أخيرا لا أخرا ما هي المفاهيم الإستراتيجية التي ستحكم سياسة الإدارة الأميركية الجديدة تجاه كل من روسيا الاتحادية والقوة العظمى الأخرى الصين الشعبية.
هذه بعض الأسئلة التحديات التي تواجه انطلاق القطار الأميركي وتحديد وجهة سيره وسرعته في المرحلة القادمة.
كاتب لبناني