يحتل باراك اوباما المكتب البيضاوي في البيت الأبيض منذ 100 يوم. بالتأكيد ليس لهذا التاريخ سوى قيمة رمزية عامة ولكنه يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للرئيس اوباما من حيث مرجعيته في الولايات المتحدة إلى الـ 100 يوم الأولى للرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت عام 1933 والتي اتخذ فيها قرارات هامة لمواجهة آثار «الكساد الكبير» عقب الأزمة المالية والاقتصادية التي انطلقت عام 1929. ما أشبه اليوم بالبارحة.
لا شك سوف يتحدث كُثر في مناسبة المائة يوم الأولى لأوباما في البيت الأبيض عمّا أنجز، وعمّا لم ينجز. يمكن التأكيد أوّلا بأول أن اوباما الرئيس لم يقم بـ «خيانة» اوباما المرشّح، حتى الآن على الأقل. وتدلّ استطلاعات رأي أميركية عديدة ومتنوّعة أن أغلبية الرأي العام الأميركي يرون للمرّة الأولى منذ سنوات أن بلادهم تسير في «الطريق الصحيح».
وما أن وصل اوباما إلى السلطة حتى بدأ بالعمل دون انتظار أو إضاعة الوقت. لقد قام بانطلاقة سريعة وفاعلة في شتى الاتجاهات. لكن هل سينجح في مساعيه؟ هذه مسألة أخرى لا تكفي المائة يوم الأولى للإجابة عنها.والأمور تقاس بنتائجها في قاموس السياسة.
ورث اوباما من الإدارة السابقة حربين وأزمة اقتصادية ومالية لا سابق لها منذ عقود طويلة. ووجد نفسه على رأس بلاد اهتزّت قناعاتها بنفسها وبمستقبلها خلال ثماني سنوات من رئاسة جورج دبليو بوش. وكانت المهمّة الأولى التي حددها لنفسه، بل والتي كان قد جرى انتخابه أصلا من أجلها، هي التخلّص من أشباح هذا الماضي القريب، وهذا ما لخصّه شعار «التغيير» الذي خاض تحته حملته الانتخابية.
لقد فتح جميع الملفات التي تهم أميركا وتهمّ العالم أيضا. لكن له بالضرورة أولوياته، وأولها بالقطع هو البحث عن إجابات على الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف رياحها ببلاده وبالعالم كلّه. وهنا بالتحديد يكمن المفتاح الذي يسمح له بمعالجة الملفات الداخلية الشائكة. وكان قد بدأ البحث فعليا منذ أن كان رئيسا منتخبا، وما أن تولّى مهام منصبه حتى قام بخطوة بدت «هجومية» عبر إقرار دعم الشركات والمؤسسات الخاصّة المهددة بالإفلاس بـ 790 مليار دولار من المال العام. المبلغ قليل جدا من وجهة نظر اللبراليين وكثير جدا حسب رأي المحافظين.
لكن يبقى المنعطف الحقيقي الذي شاهدته المائة يوم الأولى لرئاسة اوباما هو على صعيد توجهات السياسة الخارجية الأميركية. ويكفي تصفّح «العناوين العريضة» للتوجهات الجديدة من أجل إدراك مدى عمق هذا المنعطف.
ومن بين العناوين الأهم التوجّه نحو سحب القوات الأميركية من العراق خلال فترة لا تتعدّى العامين القادمين؛ وتوجّه نحو إعادة انتشار القوات الأميركية في أفغانستان، مع التركيز على مساهمة أوروبية أكبر؛ وتوجّه معلن نحو دعوة إيران إلى الحوار المباشر حول ملفها النووي وفيما هو أبعد منه حول دورها الإقليمي ؛وتوجّه نحو إقامة شراكة متجددة بين أميركا «الجديدة» وبين حلفائها ؛وتوجّه نحو ممارسة دبلوماسية «اليد الممدودة» حيال كوبا في نيّة إعادة العلاقات المقطوعة منذ حوالي نصف قرن من الزمن حيث كانت جميع الإدارات السابقة إلى كوبا ـ كاسترو على أنها رأس حربة معادية في خصر أميركا؛ وتوجّه أميركي جديد حيال العلاقة مع روسيا.
ويضاف إلى القائمة الشروع باتخاذ قرار إغلاق معتقل غوانتانامو، سيئ الصيت والذكر. ويذهب في نفس الاتجاه منع اوباما، منذ استلامه مهام منصبه الرئاسي، اللجوء إلى التعذيب أثناء التحقيقات مع المتهمين؛ والسماح بنشر مذكرات سريّة عن ممارسات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لسحب اعترافات من أولئك الذين كانت تحقق معهم. بل وصدر قبل أيام قليلة عن البنتاغون ما يشير إلى أنه سيتم قبل تاريخ 28 مايو القادم نشر عشرات الصور الجديدة لممارسات أميركيين في السجون العراقية والأفغانية.
ولا بدّ في معرض الحديث عن التوجهات الأميركية الجديدة ذكر الحدث الهام من حيث دلالته والمتمثّل في تكريس الرئيس اوباما أوّل مقابلة تلفزيونية دولية لقناة عربية. وهي المقابلة التي أطلق فيها رسالة واضحة باتجاه العرب والمسلمين مفادها: «الأميركيون ليسوا أعداءكم». هذا إلى جانب الدعوة إلى مدّ الجسور بعيدا عن مقولة «صدام الحضارات». لكن بنفس الوقت، كان اوباما هو أوّل رئيس أميركي يقيم العشاء التقليدي الخاص بعيد الفصح اليهودي في البيت الأبيض.
لقد اتخذ اوباما قراراته «في منظور المستقبل» كما يقول ويكرر. لكنه نادرا ما تحدّث عن آثارها على مستقبله الشخصي. هذا ربما باستثناء مرّة واحدة بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى البيت الأبيض عندما قال: «سيكون علي تقديم كشف بالحساب»، ثمّ أضاف: «أمامي أربع سنوات كما تعلمون.(...). وإذا لم أنجز كل ما بدأته من الآن وحتى ثلاث سنوات فهذا قد يعني أنني هنا لفترة رئاسية واحدة». هناك إذن جدول زمني وبالتالي لا بد من الانتقال سريعا إلى الأفعال، كما قال مؤخرا بصدد السلام في الشرق الأوسط.
هذه التوجهات ـ المنعطفات عرفت المائة اليوم الأولى لوجود اوباما في البيت الأبيض بداياتها. ولا يحق لأحد التشكيك بصدق إرادة وقناعة صاحبها ومحاكمته على النوايا. أن دافعه الجوهري بالتأكيد هو مصلحة الولايات المتحدة. إنه يتحدث لغة المنفعة وليس لغة العواطف. لكن ينبغي أن لا يقلل أحد من عقلانية مفهوم المنفعة وعلى الجميع أن يدافعوا عن مصالحهم.
