يكتب آلان جرينسبان في مؤلفه «عصر الاضطراب» بزهو أن «أفكار أميركا الرأسمالية أشد بأساً من سلاحها»، فأميركا لم تستطع وقف جحافل الجيش الصيني وهي تعبر نهر يالو لتدخل إلى كوريا الشمالية في شتاء عام 1950، وانسحبت من فيتنام بعد عشرين عاماً بشكل مهين. وما لم تحققه الولايات المتحدة بالسيف حققته بالقلم، إذ غزا اقتصاد السوق تلك الدولتين لتطويا صفحة التخطيط المركزي.
وآلان جرينسبان، المنحدر من عائلة رومانية يهودية من طرف الأب، ومجرية من طرف الأم واللتين هاجرتا إلى الولايات المتحدة قبيل الحرب العالمية الأولى، يعتبر «حكيم الرأسمالية» ـ إن جاز التعبير ـ فقد احتل أرفع منصب اقتصادي ربما عالمي وهو رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي منذ 1987 وظل فيه إلى تقاعده في العام 2006. ولم يتأثر منصبه بتوالي الإدارات من جمهورية وديمقراطية.
وجرينسبان من أشد مناصري «الرأسمالية الفالتة من عقالها» المبنية على العولمة وفتح الحدود وتحرير التجارة، وأشد المناوئين لتقييد التجارة وتدخل الدولة في الاقتصاد، بل ويلحظ المرء من قراءة كتابه إنه لا يحبذ نموذج «دولة الرفاه» الذي تبنته الدول الغربية بعيد الحرب العالمية الأولى. ومذكراته التي نشرها تحت عنوان «عصر الاضطراب» في العام 2006 قبل «الاضطراب الفعلي» الذي ما زالت الأسواق تتجرع مرارته منذ أكتوبر الماضي، مليئة بالإشادة بالعمليات المالية الجديدة ومنها «المشتقات» التي كانت السبب وراء الأزمة الحالية!!
ويبدو أنه لم يتمهل قليلاً في إصدار مذكراته ليرى كيف أن «اليد الخفية» لآدم سميث، التي رأي أنها تعمل على المستوى العالمي في عهد العولمة، لم تفعل فعلها الذاتي لتعيد الاقتصادات المنهارة إلى عافيتها، ولولا تدخل الدولة بالمال العام في جميع أنحاء العالم وعلى رأسها تدخل الحكومة الأميركية لشهد الجميع أوضاعاً اقتصادية سيئة لا يمكن تخيلها!!
وهو وإن دعا إلى العولمة التي هي ذلك «العالم الذي يحرك فيه الإنتاج والتجارة والتمويل غير المقيد البحث عن الربح والمخاطرة اللذين لا يعيران أي اهتمام للمسافة والحدود القومية»، إلا أنه استدرك ليقول إن تلك العولمة الكاملة لن تتحقق أبداً، وذلك ل«كراهية الناس الفطرية للمخاطرة، والتحيز للاستثمار المحلي». وعلى هذا فهو يستنتج صائباً من أن التاريخ يحذرنا من «أن العولمة قابلة للانتكاس».
ومن ثمة قد تعود دول العالم إلى غلق حدودها أمام التجارة الحرة أو العودة إلى حماية منتجاتها الوطنية، وهو ضد تلك السياسة لأن حماية المنتجات الوطنية وعدم تركها تتنافس في سوق حرة هي «تحقيق للاستقرار عن طريق منع التغيير الضروري للنمو».
ويرى أن ثمة مفارقة في العصر فيما يخص تطور الرأسمالية، حيث غدت تشق طريقها بشكل متسارع في أجزاء كثيرة كما في الصين والهند وأوروبا الشرقية بوتيرة تزيد على المكان الذي نشأت فيه وهي أوروبا الغربية التي تعاني من بطء النمو. ولهذا فهو يعطي تقويماً عاماً لأوضاع كثير من الدول واستشرافاً لمستقبلها الاقتصادي يحسن بنا عرضها باقتضاب شديد.
فما يعيق تطور عدة بلدان أساسية صناعية مثل اليابان وروسيا وبعض دول أوروبا الغربية الرائدة هو ما يطلق عليه ب«الداء الهولندي» وهو قلة النمو السكاني والشيخوخة التي ستصاب فيها القوة العاملة في هذه البلدان نتيجة لذلك، وبالتالي ستظل بحاجة إلى الأيدي العاملة الشابة الأجنبية، ولعل أصعبها حالاً اليابان التي يرفض شعبها وجود الأجانب بكثرة في بلاده.
أما الهند، التي حكمتها فلسفة «الاشتراكية الفابية» منذ استقلالها في العام 1947 فقد اتجهت في عصر الإصلاح الاقتصادي (منذ العام 1991) إلى صناعة تقنيات المعلومات المتجهة أساساً نحو التصدير، بيد أن ما تعانيه الهند هو تخلف ريفها الواسع فضلاً عن بيروقراطيتها المقيدة للنمو. والشعبوية هي داء أميركا اللاتينية التي هي «ليست وليدة فكر.
بل بالأحرى صرخة ألم»، فهي على عكس الرأسمالية والاشتراكية لا تأتي «بتحليل محدد الشكل للشروط الواجب توافرها لخلق الثروة ورفع مستوى المعيشة». وأسبابها معروف في الإرث الاستعماري منذ القرن السادس عشر الذي كانت من أهم نتائجه خلق تفاوتات اجتماعية عرقية ما زالت أجزاء كبيرة من القارة تأن منها.
ويبدي جرينسبان الكثير من الإعجاب للتجربة الصينية ورائدها الإصلاحي دنج شياوبنج، الذي على يديه تحولت الصين إلى اقتصادات السوق منذ العام 1978 أو ما يحب الصينيون أن يطلقوا عليه «اشتراكية ذات سمة صينية». ففي الصين جرت عملية لهجرة داخلية ضخمة لنحو 500 مليون من العمالة الريفية إلى مناطق التجارة الحرة في دلتا نهر اللؤلؤ.
حيث برزت توليفة بين تلك العمالة الرخيصة ورأس المال الأجنبي لتنطلق الصين إلى آفاق جديدة بحيث غدت تحتل المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأميركية في التصدير، ولتكون منافستها الاقتصادية في بقية القرن الحالي. بيد أن تلك المنافسة ستكون في ظل عولمة الأسواق حيث تتضاءل فيها سيطرة الحكومات على الحياة اليومية لمواطنيها إلى حد كبير.
