«أنفلونزا الخنازير» هي الطبعة الأخيرة من سلسلة الأمراض والأزمات التي واجهت العالم بسبب الفيروسات «المتناهية الصغر»، ومسلسل البلاء «المتناهي الكبر» الذي ظهر في البر والبحر في السنوات الأخيرة، من جنون البقر إلى أنفلونزا الطيور، ومن أنفلونزا الخنازير إلى ما سيستجد غدا مثل «أنفلونزا الكلاب» التي أصبحت شريكا اليوم في مساكن البشر، هذه السلسلة التي تبدأ بتجاهل قاعدة «الوقاية خير من العلاج»، وتستمر بسوء المواجهة، تنتهي بكارثة إنسانية ترجع في الأساس إلى «جنون البشر»!

وتحذير منظمة الصحة العالمية من «أنفلونزا الخنازير» وفيروسه الخبيث الذي ينتقل من الخنزير إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الإنسان و«الذي لا يمكن احتواؤه» حركت قلق العالم ودفعت إلى حالة الاستنفار العالمية التي نشهدها بما يتجاوز القلق إلى ما يشبه الذعر، بعد ظهور ذلك المرض الوبائي في المكسيك وأميركا وكندا، بسبب عجز الأبحاث العلمية والطبية في أعلى الدول تقدما على ملاحقة التحور الفيروسي «الذي يشبه متوالية» الانشطار النووي يدفعنا على اختلاف مواقعنا إلى بعض التساؤلات..

وإذا كان الجنون هو كل اللا معقول بما يتجاوز حدود العقل ويسلك في غير المعقول، ويعني ببساطة غياب سلامة العقل أو غياب سيطرة العقل السليم على الأقوال والأفعال، فمعنى ذلك أن فيروس الجنون البشري كامن فينا حين تختل قدرة العقل على التفكير السليم فيما يحقق الأمن الإنساني بمعناه الشامل المادي والمعنوي، ويحمى الحياة الإنسانية من كل الأخطار الصحية والغذائية والحربية والاقتصادية والبيئية، وحينما ترتبك معايير الفهم السليم لعلاقة الأسباب بالنتائج، ويضطرب لدينا الترتيب الصحيح للأولويات في الأهداف الإنسانية..

أفلا يبدو هو عرضاً لمرض الجنون البشري مثلا، إنفاق العالم المليارات على «الأبحاث العسكرية النووية»، وإنتاج أسلحة التدمير الشامل وعلى الحروب التي تقتل ملايين البشر وتهدد سلامة الإنسان والبيئة، بما يفوق إنفاقه المليارات على «الأبحاث الصحية الفيروسية» وإنتاج الدواء والغذاء بما يقي أو يعالج أمراض الوباء الشامل ولمواجهة خطر الجوع بما يهب الحياة لمليارات الفقراء في العالم، بينما يتردد في الكف عن مسببات مشكلة الاحتباس الحراري، ويتقاعس عن إنفاق الملايين لمعالجة أزمة الغذاء التي حركت قلق العالم ؟!

وألا تكشف الأزمة المالية العالمية عرضا لمرض أكبر في نظام عالمي ظالم يقوم على الاحتكار والأنانية والطمع، والخداع والجشع، والنصب والنهب من الكبار للصغار ومن الأقوياء للضعفاء بما يزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، والأقوياء قوة والضعفاء ضعفا، والأصحاء صحة والمرضى مرضا بما يدفع العالم للقلق بل الخوف من المستقبل الآمن، أفلا يعكس هذا العرض بالإفلاس المالي مرضا أكبر للإفلاس العقلي والأخلاقي لدى القوى الاقتصادية والسياسية المتحكمة في العالم، بما يقترب من الجنون البشري ؟!

وبعد التساؤلات تبقى المسؤوليات.. من غرف عليا متخصصة لإدارة الأزمات مخولة بكل ما يلزم اتخاذه من إجراءات بما يمنع التعامل الخاطئ في أساليب الوقاية أو طرق العلاج، من مسؤولية إعلامية لا تهول فتثير الذعر ولا تهون فيغيب الحذر، وتواصل المتابعة بما يسلح الناس بالمعلومات الصحيحة بكل دقة وحساسية من المصادر الصحية الموثوقة باستمرار، والأهم هي الشفافية حتى نمنع الذعر أو الإشاعات.

mamdoh77t@hotmail.com