«لابس مزيكا» تعبير مصري يُطلق على بعض أعضاء الفرق الموسيقية الذين يرتدون ملبسا معينا، ويحملون آلة معينة، ويمثلون أنهم يعزفون، بينما هم يحركون أناملهم فقط أو ينفخون في بعض الآلات دون أن يسهموا في العزف بشيء. ترتبط هذه النوعية غالبا بفرقة «حسب الله» الشعبية التي ترتكز على عدد محدود من الموسيقيين المحترفين.
وعندما ضاق الحال بها طورت الفرقة نفسها في اتجاه زيادة عدد أعضائها من خلال استقطاب أفراد جدد يلبسون المزيكا ويمثلون العزف. أصبح هؤلاء يتواجدون على المقاهي حيث يبحث عنهم أصحاب الفرق ليسألوهم «تلبس مزيكا».
وبمرور الوقت أصبح التعبير «لابس مزيكا» دلالة على القيام بشيء لا نقوم به ولا نحسن عمله على الإطلاق، لكن المطلوب أن نصدق أنفسنا تجاه القيام به، ويصدق الآخرون أننا نقوم به فعلا، ونُحسن صنعه.
بالطبع اختفت فرقة حسب الله من عموم القطر المصري، لكن اللافت للنظر أننا أصبحنا لابسين كل شيء في حياتنا العربية المعاصرة مثلنا مثل أعضاء الفرقة الراحلين. ورغم ما يحاول أن يمليه علينا المتفائلون فإن الواقع العربي يؤكد أننا نلبس كل شيء ونمثل كل شيء. فعلى مستوى الثقافة هناك العديد من المؤتمرات والنقاشات التي تمثل جزرا منعزلة عن السياق الاجتماعي المحيط حيث تتحول الحوارات إلى مجرد أصداء للقائمين عليها بدون أن تصب في مسار التغيير المجتمعي الحقيقي.
ويمكن من خلال عينة محددة لعدد من المؤتمرات أن نلاحظ تكرار الأسماء نفسها وربما الموضوعات ذاتها، إلى الحد الذي يمكن أن نلاحظ وجود كهنة محددين يرتبطون بأعمال الثقافة والمتغيرات الفاعلة المرتبطة بها.
يرتبط بالثقافة هذا الكم الضخم من وسائل الإعلام المختلفة الأقرب لأعضاء فرقة حسب الله الصامتين. فالقنوات الفضائية، رغم حالة التفريخ الهائلة المرتبطة بها، تكاد لا تقدم شيئا حقيقيا يتناسب مع عددها. بل إن المرء في أحيان كثيرة يفقد قدرته على التمييز فيما بينها والتعرف على الملامح الحقيقية لكل منها.
يرتبط بذلك هذا الكم الهائل من الفن الهابط الذي لا ينتج أي شيء سوى إثارة الغرائز وقهر الأجيال الجديدة المحرومة عاطفيا واقتصاديا على السواء. وربما ينطبق تعبير «لابس مزيكا» شكلا ومضمونا على مئات المغنيين والمغنيات الجدد الذين ينتهكون عقول الأجيال الجديدة ويستنزفون غرائزهم.
لا يختلف التعليم عن الثقافة في شيء، فالثقافة هي الوعاء الأشمل للتعليم، وإذا لبسنا الثقافة فإننا لا محالة سوف نلبس التعليم، ونمثل أننا لدينا مؤسسات تعليمية حقيقية تقوم بالأدوار المنوطة بها، وعلى رأسها إنتاج إنسان حقيقي معتز بنفسه وكرامته ووطنه. يؤدي ضعف الثقافة والتعليم لا محالة إلى ضعف الحركات الفكرية في المجتمعات العربية وانعدام تأثيرها.
فالملاحظ أن أفكار الليبرالية الجديدة على سبيل المثال لا الحصر لم تبرز في سياق اجتماعي معبر عن حراك حقيقي في مجتمعاتنا العربية بقدر ما جاءت على شاكلة لبس المزيكا مجرد تمثيل وادعاء بلبس أفكار لا تمت للواقع الاجتماعي بصلة، ولا تمت لمن يروج لها بأية علاقة من قريب أو بعيد.
وهو الأمر الذي يكشف عنه تحول المفكرين عبر الاتجاهات الفكرية المختلفة بسهولة ويسر بدون أن يطرف لهم جفن، أو يهتز لهم ضمير، مثلما الانتقال من فرقة لأخرى ولبس مزيكا هنا ومزيكا هناك.
اللافت للنظر هنا أن مسألة لبس المزيكا ليست مسألة سهلة على الإطلاق بل تحتاج إلى مستوى هائل من الاستيعاب من جانب من يقوم بها. فهو مُطالب أن يتخذ شكل وهيئة وحرفية الموسيقي الحقيقي، كما أنه مُطالب أن يتوحد أيضا مع تهليل الجماهير ومديحها.
وهنا تبرز أسوأ تجليات الثقافة والإعلام في عالمنا العربي، حيث يصبح غير المؤهلين للممارسات الثقافية مقتنعين تماما بأدوارهم من ناحية، كما يصبح الجمهور مقتنعا تماما بما يُقدم له من ناحية أخرى.
فعلاقة لبس الأشياء لن تنجح بدون هذا المستوى من الاقتناع بين الطرفين، وهو اقتناع لا ينتمي لأي نوع من التواطؤ لا سمح الله، بل باقتناع يشبه تلك العلاقة البغيضة بين زوجين ليس أمامهما من مفر سوى استمرار علاقتهما.
لذلك ليس من المستغرب أن يقابل المرء الكثير ممن يلبسون الثقافة والتعليم على السواء يصدعوننا بمشروعاتهم الفكرية وإنجازاتهم الثقافية، ونحن نعلم تماما حقيقة ادعاءاتهم ومستوى التضليل الذي يروجون له، لكننا في المقابل ليس أمامنا سوى مناقشتهم ومحاورتهم من أجل خلق حالة موازية للبس الفكر والثقافة والتعاطي معهما.
ينسحب لبس الفكر والثقافة على كافة شؤون حياتنا المجتمعية الأخرى حيث تمثيل العلاقات الاجتماعية، وتمثيل المحبة، وتمثيل العواطف، وتمثيل الصداقات، وتمثيل الدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة، وأخيرا وليس آخرا تمثيل السياسة والتحرك عبر مستوياتها الكونية المختلفة. الواضح أننا أصبحنا مدمنين لبس، وربما لن يأتي التصحيح الحقيقي للمنطقة إلا من خلال التخلي عن لبس الأشياء لفترة ما من حياتنا.
كاتب مصري
