لا يمكن فهم الحركات الاحتجاجية بعيدا عن سياقها التاريخي والمجتمعي. فنشأتها وأسلوب عملها وتنظيمها الداخلي يتشكل بالصورة التي يقتضيها عملها السياسي الداخلي أو العلني.

والحركات الاحتجاجية قد تكون وليدة الحدث وهي في هذا قد تعبر عن رفض لموقف سياسي قد تبنته الدولة أو أكثريتها الحاكمة أو عن رفض لقرار أو سياسة اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية تتبناها الدولة فيما يختص بالداخل أو فيما يختص بالعلاقة بالخارج. وهي في هذا تكتسب شعبيتها من كونها وليدة اللحظة المعبرة عنها.

وهي بحكم طبيعتها تتبنى مواقف وأساليب عمل لا تتبناها في الغالب الحركات السياسية ذات النزعة الغالبة أي ذات الحضور السياسي الواسع. وهي في هذا أي الحركات الاحتجاجية تتبنى العداء للدولة أو لسياساتها الاقتصادية التي قد تعتبر وحشية أو لسياسات متعلقة بقضايا الثروة القومية أو قضايا التسلح والأمن العسكري كما هي في حال بعض الحركات الاحتجاجية الأوروبية.

وهي بخلاف الأحزاب ذات الحضور السياسي الغالب تسعى لأن تفرض نفسها في المشهد السياسي بتبنيها للغة فظة تقطع كما يقول فيليب برو صلتها بالحذر المهدي للتجمعات ذات النزعة الغالبة. وهي نتيجة لكونها خارج السلطة أو بالأحرى لكونها لا تطمح في أن تكون منها أو لأنها لا تستطيع أن تكون جزءا منها على المستوى الوطني، فأنها تنزع نحو تبني قضايا /قضية مجتمعية تستقطب قطاعات من الشبيبة أو إنها بتبنيها تحاول أن تثير القلق وعدم الانتظام. وهي لذلك تبني هويتها على تبني المواقف اللا مهادنة واللا وسطية وعلى لغة أقل ما يقال عنها بأنها تتسم بقدر غير عادي من الاستفزاز والإثارة.

وتتسم هذه الحركات في عفوية شرارتها الأولى وأن هذه العفوية والافتقار للتنظيم قد يعطيها الحياة لبضعة أيام أو أسابيع تفقد بعدها الحركة الاحتجاجية زخمها الجماهيري وقدرتها على تحريك الشارع إما بفعل قدرة الحكومة على تلبية جزء بسيط أو كبير من مطالبها أو نتيجة لافتقارها للتنظيم أو نتيجة لتلك الخلافات العقائدية والفكرية التي تدب في أوساط زعاماتها السياسية.

وقد شهدت المجتمعات العربية خلال العقود الثلاثة الماضية حركات احتجاجية عديدة والتي جاء بعضها إما نتيجة لسياسات اقتصادية «تصويبية» تبنتها الدولة أو هي نتيجة لمحاولاتها بناء علاقة مع دولة إسرائيل. ورغم أن الكثير من هذه الحركات ذات معطى اجتماعي إلا أنها سرعان ما تتحول، بفعل اندفاعية التحرك وتغلغل القوى والتنظيمات السياسية السرية المعارضة ولربما العلنية في أوساطها، إلى حركات ذات مطالب سياسية قد تستهدف النظام أو بعض رموزه.

و قد أجبرت هذه الحركات في بعض البلاد العربية حكوماتها بالتراجع عن بعض قليل أو كثير من سياسات التصحيح الاقتصادي أو أن تدفعها هذه الاحتجاجات نحو تبني الأساليب الأكثر حذرا في تطبيقها كما حدث في مصر والجزائر والأردن واليمن.

أو أن يكون هذا التراجع مصحوبا ببرنامج سياسي يدخل البلاد في حالة سياسية جديدة كما حدث في الاحتجاجات الاجتماعية التي قادتها القبائل البدوية في الجنوب الأردني على ارتفاع أسعار بعض السلع الضرورية في عهد ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال والتي في أعقابها دخلت الأردن مجموعة من الإصلاحات السياسية المهمة..

أو أن تكون هذه الاحتجاجات ذات معطى سياسي وأن تقود إلى تحولات سياسية بالغة الأهمية ولربما الخطورة كما حدث في الاحتجاجات اللبنانية في فبراير من عام 2005 والتي جاءت على اثر اغتيال رئيس وزرائها الراحل رفيق الحريري، والتي دفعت نحو استقالة حكومة عمر كرامي وإلى انسحاب القوات السورية من لبنان وإلى تحولات سياسية جديدة لم يخرج لبنان من دائرتها حتى هذه الساعة.

ورغم أن احتجاجات فبراير اللبنانية قد بشرت بربيع جديد إلا أن ربيعه لم يدم طويلا. إذ سرعان ما استطاعت القوى السياسية والمذهبية اللبنانية التقليدية استعادة قبضتها على السلطة والمجتمع اللبناني، بل أنها قد أدخلت البلاد في حالة جديدة من الصراع السياسي والطائفي لا يبدو لبنان أنه قادر بمعطياته المعاشة على الخروج منها سريعا.

و تمثل حركة كفاية واحدة من الحركات الاحتجاجية المنظمة التي لفتت الانتباه إلى نشاطها في عموم المنطقة العربية وهي حركة قد استطاعت في مطلع بروزها قبل بضع سنوات من أن تستقطب لفيفا واسعا من المثقفين والمهنيين المصريين من قيادات فكرية أو رموز سياسية سابقة وبعض المهنيين المصريين كأساتذة الجامعات والأطباء والمحامين والكتاب.

وهي حركة مدنية قد اتسمت بالتنوع، فهي في هذا قد ضمت المصريين المسيحيين كما المسلمين كما أنها قد ضمت اليسار المصري وبعض من الإسلام المصري غير المنتمي سياسيا لأي من الأحزاب السياسية المصرية المعروفة. وهي حركة احتجاجية سلمية نخبوية استقطبت جزءاً من الشارع المصري وعبرت عن ضيقه.

أما حركة حق البحرينية فهي وإن اعتبرت نفسها حركة احتجاجية تماثل في ذلك الحركة المصرية إلا أن ظروف تشكيلها وأساليب عملها وشعاراتها وطبيعة انغلاقها المذهبي لا يجعل منها حركة احتجاجية جماهيرية بالصورة التي نفهمها وهو الموضوع الذي سنتناوله بالبحث في مقال مقبل.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com