أعرف محامياً أميركياً ثرياً يقيم في بثزدا، بالقرب من واشنطن العاصمة. شركته المتخصصة في المحاماة تتعاقد مع كبرى وأشهر «ماركات» الملابس والعطور في العالم وتمثل وكلاءها قضائياً في نيويورك وغيرها.

كان ابنه، جانثون، زميل دراسة يوم كنت طالباً في جامعة جورج تاون. في إحدى المناسبات، ذهبت مع جانثون وبعض زملاء الدراسة إلى منزل المحامي الثري ولدهشتي ببساطة حياته وتواضعه سألته عن سر البساطة في حياته وهو قاب قوسين أو أدنى من قوائم الأثرياء العالمية. كان الرجل يسكن مع زوجته في بيت أنيق وجميل لكنه، بمقاييس تصوري لعيش الأثرياء، يظل منزلاً صغيراً يليق بطبيب ناجح أو مهندس بارع.

ما الذي يمنع ثرياً تزداد ثروته بالساعة الواحدة من أن يسكن في قصر كبير من تلك القصور الفخمة التي نقرأ عنها ونرى صورها في المجلات التي ترصد حياة الأثرياء ونجوم السينما؟ قال لي إنه يحب الحي الذي يسكنه، وهو في منطقة من أشهر مناطق ولاية ميرلاند وأجملها وأكثرها أناقة ونظافة. قال إنه لا يحب البيوت الكبيرة أو القصور الفارهة لأنها تشعره بالوحدة والكآبة خاصة أنه يعيش في منزله مع زوجته وخادمة واحدة.

كنت وقتها أداعب صديقي جانثون بأنني كنت أستطيع رؤية والده الثري أكثر من قدرتي على رؤيته هو وهو الطالب المزحوم بألف شغله. كان جانثون يجمع بين العمل والدراسة ويسرق الوقت لإنهاء واجبات الدراسة وكتابة البحوث المقررة.

كنت وبعض زملاء الدراسة الأجانب نستغرب من ابن المحامي الثري الذي يدرس ويعمل ويدفع إيجار المنزل الذي يسكنه من دون مساعدة من والده الثري. وزادت دهشتي يوم عرفت أن لجانثون أخا آخر يكافح هو الآخر بين الدراسة والعمل وأسأل: أين ملايين أبوكما؟

مرة قلت لجانثون ساخراً إننا معشر الطلاب من ذوي الدخل المحدود جدا نصرف أكثر مما يصرفه أبناء الأثرياء ونسافر أكثر من أسفارهم ونستمتع برحلاتنا ومغامراتنا أكثر مما يفعلون على الرغم من أننا وقتها طلاباً «على باب الله».

وسألت يوما زميلي جانثون لماذا يعمل وهو ابن المحامي الثري فنصحني أن أسأل والده مباشرة في المرة القادمة التي ألتقيه وفعلا فعلت. وحينما سألت والد جانثون: لماذا تترك ولدك متعبا هكذا فرد علي مستغربا سؤالي: إنه يتعلم. إنها أهم مرحلة في حياته للعلم وتعلم الاستقلالية. ثم بدأ في الحديث: هذه الثروة التي أملكها اليوم لم أرثها عن أب غني أو أم ثرية.

وهذا المال الذي أملكه اليوم لم يأت بين يوم وليله كي أبذره على نمط حياة غبي لا يليق بعقلي. لقد عرفت معنى أن تعمل وتتعب كي تنجح. وأدركت أن المال الذي لا تتعب في جنيه ستنفقه سريعاً باستهتار ولعب. أما عن قصته مع أولاده فقال: جمعت ولديي يوما هنا في هذا المنزل وحذرتهما: لا تعتمدان أبداً على ثروة والدكما.

والدكما لم يرث ثروته عن جدكما كي يكون لكما حق في انتظار نصيبكما. أنا المسؤول الأول عن هذه الثروة وأستطيع في أي لحظة أن أتصرف بها كيفما أشاء وأستطيع في أي لحظة أن أتبرع بأغلبها لجمعية خيرية أو أوصي بها لغيركما.

سألت: أليست هذه قسوة؟

قال: بلى. لكن ولداي سيعرفان قيمة هذه الثروة حينما تؤول إليهما. إنه فرصتهما الآن أن يتعلما معنى العمل وقيمة الجهد وحقيقة الحياة. إنهما اليوم أكثر جدية في تعاملهما مع تحديات الحياة أكثر من أقرانهما من أبناء الأثرياء المدللين. إن أسوأ ما يفعله المرء أن يسترخي ويتهاون في عمله وحياته وتعامله مع الناس لأنه في انتظار ثروة والده.

ما الذي ذكرني الآن بقصة عمرها عشر سنوات؟

قبل يومين كنت في زيارة سريعة لباريس. وعلى الرغم من أن الصيف لم يبدأ بعد لكن «قوافل» المتسوقين العرب فيما يبدو بدأت تحط رحاها في باريس ومدن أوروبية أخرى. في كل زاوية من شوارع باريس، خاصة ملتقى السواح، أشاهد العشرات من السواح العرب، رجالا ونساء، ولا يكاد يمشي الواحد منهم من دون كيس بضاعة في يده.

المشترك بين أكثرهم أن حقائب وأكياس التبضع في أيديهم تحمل «علامة تجارية» لواحدة من تلك الماركات الثمينة جدا وكأنها رسالة «استعراض» أخرى في رحلة «التنافس» على التسوق لدى السائح العربي.

أم أنها رسالة مهمة يقول فيها السائح العربي إن الأزمة المالية العالمية لم تطله وها هو يشتري أغلى الماركات من دون حساب؟ ففي الوقت الذي يخسر فيه آلاف الفرنسيين وظائفهم بشكل يكاد يومياً، تباشر قوافل السواح العرب مشاويرها الاستعراضية السخيفة في شوارع باريس بإسراف لا تغيب ملامحه عن أي مراقب وكأنها «المرجلة» أن تصرف أكثر وأن تباشر «البذخ» في العلن ومن دون حياء. قال صديقي: لو طبقنا مبدأ «من أين لك هذا» لما رأيت واحداً من هؤلاء في شوارع باريس!

ومرة تساءلت في مجلس عن سر «هوس» البعض منا بشراء أغلى الماركات، أهي «الوجاهة» التي تتمثل لدى البعض في لبس أغلى الساعات وشراء آخر الموديلات أم «النقص» الذي يعتقد صاحبه أن تعويضه يأتي في الإنفاق ببذخ؟ قال أحدهم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فسألت مرة أخرى: ما الفارق بين أن يكون المرء كريما مع نفسه ومع من حوله وأن يكون مسرفاً مستعرضاً في إنفاقه؟

وأعرف أثرياءً ـ من أولئك العصاميين الذين تعبوا وجدٌوا في جمع ثرواتهم ـ ينفقون على أنفسهم ومن حولهم بكرم وتواضع وشهامة، عكس أولئك الذين «هبطت» عليهم الثروة فجأة فما قدروا على فهم الفوارق بين «الكرم» و«البذخ»!

المثل الأميركي يقول: بالمال وحده لا تستطيع أن تشتري الذوق. إلا أننا اليوم نعيش عصرا عربياً خارجاً عن سياق العالم تبدلت فيه القيم والمفاهيم. المال وحده سيد المشهد. وقيمة المثقف اليوم أرخص من ساعة يشتريها سائح متجول من أحد شوارع باريس الفارهة فكل شيء اليوم صار للبيع والشراء ولا عزاء للمثقف الحقيقي غير النأي بنفسه عن هذا المناخ الملوث بالأكاذيب والنفاق والهوس بالمظاهر الخادعة.

كاتب ومستشار اعلامي

hattlan@post.harvard.edu