التطورات المتسارعة التي تعيشها باكستان، تنطوي على مخاطر؛ من عيار ثقيل. خصوصياتها، تجعلها غير اعتيادية. يتداخل فيها الأهلي والسياسي والأمني والنووي. وبذلك، هي تهدّد البلد والإقليم، وربما الأمن الدولي؛ لو خرجت عن السيطرة. وما يزيد من الخشية والقلق، أنها تأخذ منحى التصعيد والتفاقم؛ على حساب المقاربات التي يمكن أن تؤدي إلى تنفيسها.
الأزمات المنهكة والمداخلات والضغوطات، التي تراكمت في السنوات الأخيرة؛ تضافرت لتساهم في دفع الأمور إلى النقطة الراهنة، المفتوحة على شتى المحاذير. لكن هذه المرة، من المحاذير، ما هو مدمّر.
أزمة باكستان السياسية مزمنة. حرمت هذا البلد من الاستقرار، باستثناء فترات متقطعة. الانقلابات العسكرية، حالت دون ترسيخ مؤسساته الدستورية. العملية الانتخابية، بقيت عاجزة عن تعزيز نظامه الديمقراطي الناشئ. لكن تلك التي أجريت في فبراير العام الماضي، بالرغم مما تخللها من عنف كانت ذروته في اغتيال بي نظير بوتو، أوحت بأن العملية السياسية ربما تكون قد حققت انطلاقة نوعية جديدة.
لكن سرعان ما عادت لعبة تصفية الحسابات، تستبد بالوضع. وما ان استتب الأمر نسبياً، حتى وقعت عملية مومباي الإرهابية. من جديد رجعت أجواء الحرب، مع الجار الهندي، إلى الواجهة. كادت أن تقع المواجهة العسكرية بينهما. تمّ اجتياز الأزمة بسلام. لكن باكستان، دخلت في مشكلة جديدة. القوات الأميركية، في أفغانستان رفعت من وتيرة ضغوطها عليها، لتقوم بملاحقة المسلحين في مناطق القبائل، المحاذية للحدود الأفغانية. وضعت إسلام أباد في موقف صعب.
ثم بدأ الأميركيون عملية الملاحقة من الجو؛ بطائرات من دون طيار. أوقعت العديد من الضحايا المدنيين. أحرج نظام زرداري، بعد أن رفضت واشنطن الأخذ باعتراضاته. تأزمت العلاقة بين إسلام أباد والقبائل، التي صارت تحت قيادة «طالبان باكستان».
وقعت الواقعة بين الطرفين. التسوية مع «طالبان»، بخصوص منطقة وادي سوات، لم توقف زحف مسلحيه باتجاه العاصمة؛ وعلى بعد أقل من مئة كلم عنها. تكاثرت الضغوط، فاندلع القتال بين الجانبين من جديد. الارتباك واضح. الأخطر هو حالة الذعر السائدة، التي عكستها موجات من النزوح.
الرئيس الباكستاني، سارع إلى تهدئة المخاوف، حول سلامة الترسانة النووية. أكّد أنها تحت حماية مضمونة تماماً. لكن ذلك لا يزيل المخاوف طالما أن العاصمة قريبة من مسرح القتال. رخاوة الوضع السياسي، تزيد الطين بلّة. التحدّي الآن، يكمن في الرجوع عن حافة الهاوية، بخطة تحظى بإجماع سياسي داخلي. فالبديل، أفغنة باكستانية.. وحدة باكستان على المحك.. كما سلامة ترسانتها النووية.
