مع السقوط المدوي للحكومة التشيكية الحالية تكون الرئاسة الحالية للاتحاد الأوروبي قد تلاشت وتحوّلت إلى ما يشبه حبة السكّر في وعاء من الماء. إنها مفارقة مضحكة ومبكية في آن، لأن التشيك في خضم حملتهم الإعلامية قبيل تسلّمهم دفة القيادة الأوروبية أرادوا إقناع العالم بالطعم الحلو الذي سينشرونه على العالم خلال هذه الفترة. وقعت حبة السكّر التشيكية إذاً في سائل غرورهم المتمادي وذابت تماماً إلى غير رجعة.
مقابل ذلك، ثمة مفارقة أخرى مدوّية أرادت القيادة التشيكية السابقة أن تصبغ من خلالها قيادتها للاتحاد الأوروبي، وتميّزت بكيفية إدارة الأمور في ساحة الشرق الأوسط عموماً. فالبداية كانت واضحة في انحيازها وانتمائها للخيارات الإسرائيلية المتشددة، وهو ما بدا بوضوح من التصريحات الفريدة من نوعها لوزير الخارجية شفارتسنبيرغ، وتالياً للناطق باسم الرئاسة الأوروبية فرانتيشيك بوتوجنيك. فالأول، الأكثر انخراطاً وتخضرماً في العمل السياسي، أفتخر بقدرته على ما وصفه آنذاك «بقول الحقيقة» الذي يعني حسب رأيه عدم الخوف من تسمية الأمور بأوصافها الصحيحة والدفاع تالياً عن إسرائيل الديمقراطية التي تتعرض لضغوط شتى من العالم المحيط بها.
أما الثاني، الأقل خبرة وأكثر سذاجة، فلم يجد حرجاً في اللحظات الأولى التي ترأست فيها بلاده الاتحاد الأوروبي بوصف الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة «بالخطوة المبررة دفاعاً عن النفس».
التصريحان ومعهما أداء كثير من السياسيين التشيك التنفيذيين والتشريعيين على الصعيدين المحلي والأوروبي عكسا المدى الخطير الذي كانت ستؤول إليه الأوضاع بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة الشرق الأوسط لو سُمح لقصار النظر في براغ من الاستمرار بالتحكم في مصير تلك العلاقة المهمة.
هذا الأمر لم يكن خافياً بالطبع على الأوروبيين الآخرين، وكان حاضراً أيضاً في أذهان قسم من السياسيين التشيك المدركين لخطورة المغامرة التي كان زملاؤهم ينفذونها تدريجياً والتي وضعت براغ في موقع لا تحسد عليه فيما يخص علاقتها مع العالم العربي.
اليوم وبعد هذه التطورات الدراماتيكية على الصعيد المحلي التشيكي يبدو ان الكلّ الأوروبي الشامل لم يعد يولي الرئاسة التشيكية كثير من الأهمية، لمعرفته بأن القيادة البديلة المؤقتة التي حلّت مكان الحكومة السابقة لن تتمكن من التأثير كثيراً بمجرى الأحداث أو حتى بإدارة أجندة الاتحاد الأوروبي.
حتى أن السياسيين التشيك أنفسهم باتوا يتعاملون مع ما يجري على أنه شأن محلي داخلي، غير آبهين بتأثيراته على سمعة البلاد في الخارج. المهم حسب رأيي في ما يجري أن استكمال الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي سيتم وفق أداء أكثر عقلاني، باعتبار انه سيكون تحت قيادة رئيس الجمهورية فاتسلاف كلاوس ورئيس الوزراء الجديد يان فيشر، اللذين سيحرصان على تلوين ما تبقى من رئاسة أوروبية بألوان أزهى من تلك التي ميّزت أداء توبولانيك ونائبه للشؤون الأوروبية ألكسندر فوندرا، على الأقل فيما يخص العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة الشرق الأوسط.
وقد يستغرب البعض من هذا التحليل باعتبار أن كلاوس معروف بنظرته الريبية لعملية التكامل الأوروبي ويحصد الانتقاد تلو الآخر بسبب مواقفه من بعض القضايا الأخرى، لكنني أعتقد جازماً بأن كلاوس قد أثبت في أكثر من مناسبة انه رجل دولة حكيم يحاول أن يرى الأمور، برغم حساسيتها المفرطة أحياناً على الساحة المحلية، من خلال منظار متعدد العدسات.
لقد فشلت تشيكيا في فرض نفسها كقوة قادرة على تحقيق المفاجأة مثلما توقع لها كثيرون. والسبب في ذلك يكمن بالدرجة الرئيسية في عدم قدرة القيادة التنفيذية السابقة على الخروج من رتابة أفكارها العقائدية التي سيطرت على أفكار المنتمين إليها ومعظمهم كانوا من المتأثرين بالخط الصقوري السابق لإدارة جورج بوش الابن.
لم يتمكن هؤلاء من تدوير الزوايا فيما يخص الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا من فرض الحلول الواقعية، واتسمت مواقفهم بالسذاجة في العلن لكن بالانتماء الواضح للسياسة الإسرائيلية في الدوائر المغلقة. وحده الرئيس كلاوس كان يتصرف، ضمن الهامش الدبلوماسي والتنفيذي القادر أن يتحرك من خلاله على الأقل، بكثير من الحنكة والموضوعية، لأنه حرص على تحديد الخيارات الواضحة دون إيذاء لأي طرف.
بعد أيام قليلة ستنطلق الانتخابات إلى البرلمان الأوروبي وسيختار التشيك أيضاً ممثليهم القلائل ضمن ما تحدده الكوتا المتبعة لكل دولة. ما يهمّنا من هذا الأمر هو من سيمثل التشيك خلال المرحلة المقبلة وفي ما إذا كانوا سيتمتّعون بنفس «الأداء المميّز» كبعض نوابهم الحاليين مثل يانا هيباشكوفا.
لقد تمكّنت هذه النائب، وبرغم تصنيفها من قبل أحد المراقبين المحايدين بأنها من بين النواب الأكسل في البرلمان الأوروبي، من تحقيق مجموعة من الأمور المهمة ومنها: ترؤس لجنة الصداقة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل والعمل من أجل رفع العلاقات بينهما إلى أقصى درجة ممكنة، تنظيم الندوات التي أدت في نهاية المطاف لمنع قناة المنار اللبنانية من البث نحو أوروبا، تعزيز قنوات الاتصال بين بروكسل والمعارضة السورية في الشتات والمساهمة بشكل أساسي في المحادثات الخاصة بالشراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي، وكان لها الفضل الأساس في صياغة نص القرار المطروح أمام الاتحاد الأوروبي والقاضي باعتبار حزب الله اللبناني منظمة إرهابية، وغير ذلك كثير.
أما اللحظات الأخيرة من عمر حكومة توبولانيك فأثبتت بأنه متمسّك بسياسته التي كان يمارسها حتى اليوم. لقد حرص المذكور أن يختم عهده الميمون بزيارة إلى إسرائيل عبّر فيها عن اطمئنانه إلى حسن سير الأمور فيها حتى في ظل الحكومة الحالية المتشددة. لم ينس توبولانيك بالطبع زيارة أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية والاجتماع مع ممثليها. لكنه فشل كالعادة من تحقيق التوازن المزعوم الذي طالما تغنى به.. لأنه كان مجرّداً من أية معطيات ملموسة.
كاتب لبناني
