بالنسبة للجميع في إفريقيا، تعتبر نهاية نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا، والمعجزة الديمقراطية التي حصلت عام 1994، إضافة إلى الدور التاريخي الذي لعبه الزعيم نيلسون مانديلا، من ركائز «النهضة» في أمة قوس القزح على طريق بناء ديمقراطية تعددية.

فقد أدلى أكثر من 23 مليون ناخب في جنوب إفريقيا يوم الأربعاء 22 أبريل الجاري بأصواتهم في الانتخابات العامة التي تعتبر الانتخابات الديمقراطية الرابعة منذ انتهاء نظام التفرقة العنصرية قبل 15 سنة، والتي شارك فيها 26 حزبا سياسيا، لانتخاب برلمان وطني على مستوى البلاد، وبرلمانات لتسع مناطق تتمتع بسلطات محدودة في إطار نظام فيدرالي معتدل، ومجلس شيوخ متكون من 90 عضوا يمثل المناطق في البرلمان.

وعلى الرغم من أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم واجه منافسة قوية من جانب المعارضة، فإنه وكما كان متوقعاً حقق «فوزا كبيرا»، إذ حصل على نسبة 67, 66 في المئة من الأصوات، مبددا بذلك آمال حزب «مؤتمر الشعب» الذي أسسه المنشقون، القريبون من الرئيس الجنوب الإفريقي السابق ثابو مبيكي، الذي تمت إزاحته في مؤتمر حزبي جمع 4500 مناضلا في سبتمبر 2008، عقب أزمة سياسية حادة عرفتها دولة جنوب إفريقيا، لكي يتم استبداله بالزعيم الحالي لحزب المؤتمر الإفريقي جاكوب زوما. وحصل حزب «مؤتمر الشعب» هذا على ما يزيد قليلا عن ثمانية في المئة من الأصوات الأولية.

غير أن التحدي الأكبر للحزب الحاكم جاء من «التحالف الديمقراطي» الذي يمثل المعارضة الرسمية، والذي عاد إلى الساحة بقيادة زعيمته الجديدة هيلين زيلي، البيضاء، والذي حصل على 25, 16 في المئة.

لأول مرة، خلال نصف قرن، يتزعم حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي تأسس عام 1912، والذي يلقب ب«حزب التحرير»، قائد من المجموعة العرقية الزولو (أول أمة سوداء في البلاد وتمثل 21 في المئة من السكان السود).

ويعتبر جاكوب زوما البالغ من العمر 67 عاما، سياسياً عصامياً، ولغزاً محيراً، حُرِم من الدراسة، وقضى معظم حياته في صفوف حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، منهم عشر سنوات في سجون نظام الأبارتايد.

لكن زوما الذي يصوره بعض المحللين السياسيين في الغرب نموذجاً للزعيم الإفريقي متعدد الزوجات، والفاسد، ويرى فيه البعض الآخر ديكتاتوراً ناشئاً، وإن تكن نسبة 80 في المئة من الشعب الأسود تعتبره من صفوفها، نجا بأعجوبة من الدعوى بتهم الفساد التي كانت مرفوعة ضده، وأسقطت قبل أسبوعين من الانتخابات، إذ اضطر الاتهام بعد تحقيقات استمرت ثماني سنوات إلى التخلي عن الملاحقات التي شابها استخدام السلطة.

زوما هذا سينتخبه البرلمان في الأسبوع المقبل رئيساً لدولة جنوب إفريقيا. لكن برنامجه السياسي يظل غامضاً. بيد أن الشيء المؤكد أن الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي، والنقابة العمالية الكبرى في البلاد، التي تضم مليوناً ونصف مليون عضو، وهما حليفان تاريخياً لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم، قد ساعداه على إزاحة الرئيس السابق مبيكي الذي ترك الحزب الشيوعي لينضم لحزب المؤتمر عام 1994.

الحزب الشيوعي والنقابة العمالية، يريدان أن ينتهج الرئيس المقبل زوما سياسة باتجاه اليسار، لجهة وقف خصخصة مؤسسات الدولة، والعمل على توزيع منافع التنمية على الفقراء، وحل مشكلة البطالة، وتأمين التعليم والضمان الصحي بصورة مجانية لجماهير الشعب. إنهما يريدان نهاية الليبرالية الاقتصادية المطبقة منذ عام 1994.

لكن زوما يقول إنه «ليس سجين أحد»، وأنه لا ينوي إحداث انقلاب في بنية الاقتصاد، مؤكداً على التزامه ببرنامج الحزب، وبالوعود التي قطعها للفقراء الذين يمثلون 40 في المئة من السكان البالغ عددهم 48 مليون نسمة.

في الوقت الذي تدخل فيه دولة جنوب إفريقيا القوة الاقتصادية الأولى في القارة السوداء، مع وجود ناتج محلي إجمالي يقدر بنحو 5500 دولار لكل مواطن، في مرحلة الكساد، الشيء الأكيد أن ولاية الرئيس زوما لن تكون نزهة واستراحة. وأولى التحديات تتمثل في طمأنة الأقلية الأفريكانية البيضاء التي حكمت البلاد زهاء نصف قرن بواسطة نظام الأبارتايد.

كاتب تونسي .

tawfik-m@scs-net. org