في الوقت الذي أوضحت فيه الإدارة الأميركية، سواء من خلال الرئيس باراك أوباما، او من خلال وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن واشنطن تؤيد حل الدولتين – أي إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل - كأساس لتحقيق السلام في الشرق الأوسط وبناء واقع جديد في المنطقة ينهي معاناة شعوبها، ويفتح المجال للإستقرار وبناء التقدم والازدهار لكل دولها وشعوبها، فإنه يبدو ان حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لا تريد السير على هذا الطريق، ومن ثم فإنها تسعى وبوسائل مختلفة تزداد وضوحا، من أجل تجنب كل ما يمكن أن يؤدي إلى ذلك،
وإذا كان نتانياهو ووزير خارجيته افيجدور ليبرمان قد تجنبا، حتى الآن على الأقل، أية إشارة إلى الدولة الفلسطينية، وإلى كل ما يتصل بإقامتها، عند حديثهما عن الأوضاع في المنطقة، فإنه من المؤسف حقا أن يتحدث وزير الخارجية الإسرائيلي - المعروف بمواقفه المثيرة للجدل والرافضة أيضا لكل ما توصلت إليه الحكومة الإسرائيلية السابقة، سواء مع الفلسطينيين، أو من خلال المحادثات غير المباشرة مع السوريين والتي جرت برعاية تركيا – عن المبادرة العربية للسلام بالكيفية التي تحدث بها، حيث وصفها بأنها تشكل خطورة على إسرائيل!!
على أية حال فان المبادرة العربية للسلام التي أصبحت بالفعل جزءا من جهود الحل وأسس بناء واقع جديد في المنطقة، وهو ما تؤيده الولايات المتحدة بشكل واضح، تحظى _ كما هو معروف - بتأييد متزايد حتى داخل إسرائيل، ومن جانب أحد أكبر الأحزاب الإسرائيلية المشاركة في حكومة نتانياهو، وهو حزب العمل الإسرائيلي برئاسة ايهود باراك وزير الدفاع في حكومة نتانياهو.
ومع الوضع في الاعتبار ان رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى إلى بلورة أفكاره وتوجهاته الرافضة للسلام مع الفلسطينيين والعرب الذين تحتل إسرائيل أراضيهم منذ عام 1967، على نحو يمكنه من تجاوز الضغوط الأميركية من ناحية، وتقديم أفكار مضادة للمبادرة العربية خلال زيارته القادمة إلى الولايات المتحدة،من ناحية ثانية.
إلا أن ما قد يقلل من أهمية ذلك وتأثيره أيضا ان هناك قناعة واسعة ومتزايدة أيضا، حتى داخل الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي وفي اللجنة الرباعية المعنية بالسلام في الشرق الأوسط، بأن السلام يمكن تحقيقه من خلال المبادرة العربية وخارطة الطريق وعبر الالتزام بالقرارات الدولية التي اتخذتها الأمم المتحدة، سواء بالنسبة لمدينة القدس المحتلة أو بالنسبة للأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل قبل اثنين وأربعين عاما تقريبا، ومن ثم فان الموقف الإسرائيلي الذي تريد حكومة نتانياهو تسويقه للعالم هو موقف مكشوف لأنه يمثل تراجعا واضحا عن مواقف الحكومة الإسرائيلية السابقة.
وإذا كانت الفترة القادمة ستكون على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للآفاق المحتملة للسلام في الشرق الأوسط، وإن الكثير سيتوقف بالضرورة على ما يمكن ان تسفر عنه مباحثات نتانياهو مع الرئيس الأميركي خلال زيارته لواشنطن الشهر المقبل، خاصة وأن الجانب العربي أكد بوضوح على مواقفه ورؤيته للسلام في المنطقة من خلال ما قدمه العاهل الأردني الملك عبد الله بن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية خلال لقائه مع الرئيس الأميركي وكبار مسؤولي الإدارة الأميركية الأسبوع الماضي.
فإنه من المؤكد أن المماطلة الإسرائيلية ومحاولة حكومة نتانياهو الهروب من استحقاقات السلام العادل والدائم في المنطقة لن تفيد إسرائيل، لا في الأجل القصير ولا على الأجل الطويل لان هذا التهرب من شأنه أن يفتح المجال واسعا أمام تصاعد التوتر في المنطقة وأمام إمكانية استغلاله من جانب قوى وجماعات لا تريد السلام والاستقرار لشعوب المنطقة، ومن ثم ستخسر كل الأطراف، بما فيها إسرائيل في النهاية.
