تأجلت جلسة الحوار الفلسطيني التي كان من المقرر ان تبدأ في القاهرة برعاية الحكومة المصرية الى يوم الغد الثلاثاء، لاعطاء فرصة للواء عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات للاستماع الى ملاحظات قادة وفدي حركتي 'فتح' و'حماس' حول المقترح المصري بتشكيل لجنة من جميع الفصائل برئاسة الرئيس محمود عباس للاشراف على اعمار غزة، والنقاط الخلافية الاخرى حول النقاط الاربع الرئاسية.

حركة 'فتح' رفضت الاقتراح المصري، واعلن هذا الرفض بعد اجتماع للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، انعقد بايعاز من الرئيس عباس نفسه وبرئاسته حتى يتسم بصفة جماعية، اي 'توزيع دم' هذا الرفض على جميع فصائل المنظمة.

اما حركة 'حماس' فقد طالبت بالمزيد من الايضاحات من قبل الوسيط المصري، ولكن ردة فعلها الاولى على الاقتراح المصري اقرب كثيراً الى الموافقة، لانها معنية بالدرجة الاولى بالتعجيل بالبدء في عملية الاعمار، حيث يوجد حالياً اكثر من اربعين الف شخص يعيشون في العراء بعد تدمير بيوتهم اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير.

رفض الرئيس عباس للاقتراح المصري يبدو غير مفهوم، لان قضية اعادة الاعمار تبدو ملحة جداً، بسبب الظروف السيئة لابناء القطاع في ظل المعاناة الناجمة عن الحصار واغلاق المعابر، مضافاً الى ذلك ان هذا الرفض ربما يؤدي، في حال استمراره، الى تحميل السلطة، ولا نقول حركة 'فتح' مسؤولية افشال الحوار والاعمار معاً، وتدهور العلاقة مع الوسيط المصري.

فمن الواضح ان اصرار الرئيس عباس على ضرورة الاتفاق على القضايا الاربع موضع الخلاف، وبما يؤدي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية في نهاية المطاف، قد يؤدي الى تحميله تبعات فشل الحوار، وهي تهمة خطيرة بكل المقاييس.

الخلافات ضخمة، وخاصة تلك المتعلقة ببرنامج اي حكومة يمكن ان تتمخض عن الحوار، فالرئيس عباس يريد من حركة 'حماس' الرضوخ للشروط الامريكية بالكامل في هذا الصدد، اي نبذ العنف (المقاومة) والاعتراف باسرائيل دون لبس او غموض، والالتزام بالاتفاقات الموقعة من قبل السلطة ومنظمة التحرير مع الدولة العبرية.

السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الاميركية، كررت هذه الشروط صراحة، اثناء جولتها الأخيرة في المنطقة، وقالت انها لا يمكن ان تتعاطى مع اي حكومة تشارك فيها حركة 'حماس' بما في ذلك تقديم اموال لها، ما لم تعترف بالشروط الثلاثة.

الاقتراح المصري بتشكيل لجنة من جميع الفصائل برئاسة عباس هو محاولة للالتفاف على هذه الشروط الاميركية، والدفع قدماً بعملية الاعمار، وهي خطوة جيدة، وحل وسط يجب ان يحظى بتأييد جميع الأطراف دون استثناء، بما في ذلك وفد حركة 'فتح'.

اثناء اتفاق اوسلو، وما تفرع عنه من مفاوضات حول قضايا الوضع النهائي، نجحت بريطانيا في اقناع الطرف الفلسطيني بضرورة البدء في القضايا السهلة او الأقل تعقيداً، وترك القضايا المعقدة الى المراحل النهائية، وهكذا حدث.

فلماذا لا تقبل السلطة في رام الله بالشيء نفسه، وتبدأ في التفاهم حول مسألة اعادة الاعمار باعتبارها أسهل، وأقل تعقيداً وبعد ذلك يمكن الاتفاق على القضايا الأربع المتبقية على جدول اعمال الحوار، مثل برنامج الحكومة، وطريقة اجراء الانتخابات المقبلة، واعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، وشكل القيادة الفلسطينية العليا، أي مرجعية منظمة التحرير؟

من الواضح ان الحوار الفلسطيني يعيش مرحلة النزع الأخير، فالخلافات باتت مستعصية على العلاج، فالاملاءات الامريكية تلعب دوراً كبيراً في الدفع به الى هذه النتيجة المأساوية، ولن يكون مفاجئاً بالنسبة الينا اذا ما كانت الجولة الحالية هي الأخيرة.