استوقفت وقائع قمة الأميركتين الشمالية والجنوبية التي عقدت في عاصمة «ترينيداد وتوباجو» إحدى أصغر جمهوريات أميركا الجنوبية العديد من المراقبين.

وذلك لتشابه الظروف العربية باللاتينية لانتماء كل منهما بالعالم الثالث أي بدول الجنوب النامية، وبمعاناة كل منهما في الماضي من احتلال الاستعمار القديم، وفى الحاضر من تدخلات الاستعمار الجديد، ولما يربط مجموعة الدول العربية بمجموعة الدول اللاتينية من روابط وتطلعات مشتركة ترجمتها القمة العربية اللاتينية الثانية في الدوحة.

وثانياً، لأنها كانت أول لقاء في ظل المتغيرات الأميركية والعالمية الجديدة السياسية والاقتصادية بين من يمثل عالم الشمال الذي سبق إلى النمو وعالم الجنوب الساعي إلى التنمية المستقلة والتحرر من الهيمنة.

وبالتالي مثلت نموذجاً كاشفاً لانعكاسات المتغيرات العالمية على طبيعة العلاقات الجديدة بموازينها الجديدة بين الشمال والجنوب، بعدما تغير الجنوب وخصوصاً في أميركا الجنوبية الذي كانت دوله تطلق عليه «جمهوريات الموز» صعوداً تمسكاً بالاستقلال ورفض الهيمنة، واستعادة لثروته الوطنية وتوظيفها لمزيد من النمو ومزيداً من الاستقلال.

وثالثاً، لأن هذه القمة اللاتينية بحضور الرئيس الأميركي الجديد «باراك أوباما»، بما سبقها وما دار فيها وما انتهت إليه بوعود لتصحيح العلاقة بين الولايات المتحدة ودول أميركا الجنوبية عموماً ومع كوبا بصفة خاصة بعد رفض 34 دولة التوقيع على البيان الختامي دون النص على رفع الحصار على كوبا ودون رفع الفيتو الأميركي على عودة كوبا إلى عضوية القمة.

ما سبق القمة هو اعتراف واضح على لسان الرئيس أوباما وعلى لسان الوزيرة كلينتون بفشل سياسات الغزو والحصار والعقوبات والعداء الأميركية السابقة على مدى ما يقرب من نصف قرن تجاه كوبا «في تعزيز حرية الشعب الكوبي»، وسبق القمة التي لم تحضرها كوبا قرارات الرئاسة الأميركية بتخفيف هذه السياسة، وإعلان البدء في مقاربة جديدة للحوار مع كوبا، وذلك بإيفاد وفد الكونجرس الأميركي إلى «هافانا» لفتح الطريق لصفحة جديدة من العلاقات الأميركية الكوبية في إطار سياسة أوباما الجديدة المغايرة لسياسة بوش بطي صفحة الماضي مع العالم وفتح صفحة جديدة.

وما حدث في القمة كان جديداً ومثيراً في آن فلأول مرة تسمع دول أميركا الجنوبية «الحديقة الخلفية للولايات المتحدة» سابقاً من رئيس للولايات المتحدة الأميركية التي كانت تسيطر وتتحكم في كل شيء في هذه القارة من قبل يقول لهم: «هناك الكثير مما يدعوني لأن استمع وأتعلم».

أو أن يعرض عليهم فتح صفحة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة قائلاً: «أعرض عليكم بدء علاقات جديدة تقوم على الند للند، لا فرق فيها بين دولة أميركية كبيرة ودولة أميركية صغيرة».

وما حدث في القمة من موقف جماعي موحد إصراراً على رفض استمرار الحصار الفوري عن كوبا، وتصميماً جماعياً بموقف واحد ورأي موحد بين 34 دولة على عودة كوبا لاستئناف عضويتها في القمة وهى التي غابت عنها منذ عام 62 بضغط أميركي في زمن الهيمنة والسيطرة بعد فشل محاولة غزو خليج الخنازير، يعكس أن هذه السياسات قد فشلت، وهذا الزمان قد ولى.

وأخيراً وقبل أن يقول أوباما لهم ان أميركا تغيرت ولا يجب أن تتغير وحدها، بدت مصالحة مثيرة بمصافحة من تشافيز لأوباما وأهداه كتاباً له مغزاه بما يعني أن خصوم أميركا يتغيرون أيضاً!

mamdoh77t@hotmail.com