سوف يسجل التاريخ للرئيس الفنزويلي «هوجو شافيز» براءة اختراع سياسة «إهداء الكتب» بين رؤساء الدول لإيصال رسالة بأسلوب ربما يكون جديداً في عالم الدبلوماسية والعلاقات السياسية.

الرئيس الفنزويلي ـ الذي يعتبره البعض مشاغباً بينما تنظر إليه الشعوب المطحونة والمكافحة بالإعجاب لجرأته ـ أهدى الرئيس الأميركي «باراك أوباما» كتاب «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» الذي ألفه الكاتب الأورغوائي «إدواردو جوليانو» مستعرضاً فيه تاريخ نهب موارد أميركا اللاتينية وتأثيرات التدخل الأجنبي فيها خلال القرون الخمسة الماضية منذ الاحتلال الأسباني وحتى العصر الحاضر.

وهو من الكتب المفضلة لدى اليساريين في أميركا اللاتينية. حدث هذا أثناء انعقاد قمة الأميركتين «الشمالية والجنوبية» في «بورت اوف أسبين» عاصمة «ترينداد وتوباغو» الأسبوع الماضي.

خطوة «شافيز» هذه فاجأت «أوباما» وأربكته إلى حد ما، فقد بدا الاستغراب عليه عندما شاهد «شافيز» ينهض من مقعده ويسلمه الكتاب ثم يصافحه، واعترف للصحافيين مازحاً بأنه شعر لبرهة قصيرة ببعض الحرج عندما أهداه «شافيز» الكتاب وقال: «ظننت أنه كتاب لشافيز نفسه» وأضاف: «كنت على وشك أن أقدم له أحد كتبي» وكان الكتاب الهدية باللغة الأسبانية .

وقد صدّره «شافيز» برسالة قصيرة تقول: «إلى أوباما مع حبي» الأمر الذي اضطر الرئيس الأميركي إلى القول عقب ذلك: «أعتقد أنها كانت لفتة طيبة، فأنا أحب القراءة» غير أن الرئيس الفنزويلي الذي أخذ الأمر على محمل الجد لم يفوت فرصة إعلان الرسالة التي أراد توجيهها من خلال هذه اللفتة الطيبة فقال: «إن هذا الكتاب يُعتبَر معلماً في تاريخ أميركا اللاتينية. إنه يتيح لنا التعلم من التاريخ، وعلينا البناء على هذا التاريخ».

خطوة «شافيز» هذه دفعت بكتاب «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» ليصبح في مقدمة الكتب الأكثر مبيعاً، فبعد أن كان يقبع في الموقع 54295 في تسلسل مبيعات موقع «أمازون» الشهير لبيع الكتب قبل أن يقرر «شافيز» إهداءه للرئيس «أوباما» أصبح يحتل المركز الثاني في القائمة ذاتها.

ولم تكن هذه المرة هي الأولى التي يتسبب فيها «شافيز» في رفع مبيعات أحد الكتب ـ كما جاء على موقع «بي بي سي» ـ فالكلمة التي ألقاها الرئيس الفنزويلي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل ثلاث سنوات رفعت من حظوظ أحد كتب المفكر الأميركي «نعوم تشومسكي» إلى حد بعيد، إذ تصدر كتابه «الهيمنة أو البقاء» قائمة «أمازون» للمبيعات بعد أن تطرق إليه «شافيز» في خطابه، الأمر الذي يؤهل الرئيس الفنزويلي ذا الشعبية الطاغية لدى شعوب العالم الثالث لأن يكون مروجاً ممتازاً للكتب بعد أن يخرج من سدة الحكم في بلاده.

ترى هل كانت خطوة شافيز هذه «هدية مسمومة» كما وصفها البعض، أم وسيلة حديثة لإيصال رسالة سياسية، أم حركة ذكية للفت الأنظار إليه ؟ كما صرح مسؤول أميركي كبير طلب عدم ذكر اسمه ؟ بغية إثارة الصحافة والظهور مرة أخرى في صورة مع الرئيس الأميركي بعد المصافحة الحارة بينه وبين «أوباما» قبل بدء أعمال القمة، الأمر الذي اعتبره البعض بداية ذوبان الجليد بينهما؟

أياًّ كان الأمر فقد وصلت الرسالة بشكل ذكي، وسجلت حركة «شافيز» هدفاً لصالح الرئيس الفنزويلي الذي قال عنه المسؤول الأميركي «إن كل من حضر مؤتمراً دولياً مع شافيز يعلم جيداً أنه إذا كانت هناك كاميرا فإن شافيز سيجد دائماً وسيلة ليكون أمامها» الأمر الذي لا نعده عيباً طالما أن ما يحدث أمام الكاميرا لا يناقض ما يحدث خلفها في الغرف المغلقة كما عوّدنا الكثير من الرؤساء والمسؤولين الكبار ـ في نظرنا ـ عند تعاملهم مع رؤساء وممثلي الدول الكبرى.

وإن كنا غالباً لا نكتشف ذلك إلا بعد مرور عشرات السنين وإزاحة الستار عن الوثائق السرية، حيث لا يعود لمعرفة الحقائق فائدة سوى «التعلم من التاريخ، والبناء على هذا التاريخ» حسب تعبير شافيز تعقيباً على هديته التي فتحت شرايين آلامنا التي ما زالت نازفة منذ قرون بعيدة.

إذا كان قد أتيح لشرايين أميركا اللاتينية المفتوحة منذ خمسة قرون مَن يكتب عنها ليتحول كتابه إلى معلم في تاريخ القارة التي تنهض من جديد رغم كل النهب التي تعرضت له على مدى القرون الخمسة الأخيرة، فإن شرايين الأمة العربية أشد حاجة إلى من يكتب عنها، وكي لا نصعِّب من المهمة فإننا لن نطلب الإيغال في التاريخ كثيراً .

كما فعل «جوليانو» وإنما سنكتفي بالقرن الأخير من تاريخ أمتنا العربية، وتحديداً من عام 1916 الذي تم التوصل فيه إلى تقاسم أراضي الوطن العربي بين فرنسا وبريطانيا بمصادقة من روسيا القيصرية بعد تهاوي الإمبراطورية العثمانية ـ التي كانت مسيطرة على المنطقة ـ في أعقاب الحرب العالمية الأولى فيما عُرِف باتفاقية «سايكس بيكو» التي أنجزت بمفاوضات سرية بين الدبلوماسيَّين الفرنسي «فرانسوا جورج بيكو» والبريطاني «مارك سايكس» .

ولم يكن ليُكشَف عنها لولا وصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917م، الأمر الذي أثار الشعوب التي مستها الاتفاقية وأحرج كلا من فرنسا وبريطانيا، ليجهز بعدها «وعد بلفور» المشؤوم على الآمال التي راودت الذين تحمسوا لما أطلق عليه «الثورة العربية الكبرى» التي غذتها مراسلات «حسين ـ ماكماهون» التي كانت أكبر خدعة يتعرض لها العرب في بداية القرن العشرين.

وحتى يهيئ الله لنا من يكتب هذا الكتاب، ويهيئ للكتاب ـ عند ظهوره ـ من يملك الشجاعة لإهدائه إلى أولئك الذين استباحوا أرضنا ونهبوا ثرواتنا، فإن شرايين الأمة العربية سوف تبقى مفتوحة تنزف دماً وكرامة، تباع بأرخص الأثمان، وتحقق أعلى المبيعات في العالم كله رغم أن «شافيز» بريء من تهمة الترويج لبيعها براءةَ الذئب من دم ابن يعقوب.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com