ليس من المبالغة في شيء القول بأن الأوضاع في العراق الشقيق شهدت خلال الأيام الأخيرة حدوث عدد من العمليات الارهابية، التي استهدفت بالأساس المدنيين العراقيين الأبرياء والعزل ايضا، وهو ما زاد بدرجة عالية من اعداد القتلى والجرحى من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء، وهو ما يثير في الواقع قدرا من الترقب ومزيدا من الانتباه بشأن تطور الأوضاع الأمنية في مختلف أنحاء العراق، والمحاولات التي تبذلها جماعات وتنظيمات متعددة الاتجاهات والانتماءات والألوان والأهداف ايضا، تستميت في الدفاع عن بقائها بأي شكل وبأية وسائل، حتى ولو كان السبيل هو ازهاق أرواح الأبرياء من أبناء العراق الشقيق.
وبغض النظر عن تزامن موجة العمليات الإرهابية تلك، مع هذا التطور او ذاك على الساحة العراقية، الا انه يمكن القول بأن أمن واستقرار العراق خلال الفترة القادمة يشهد الآن سباقا محموما وبالغ الأهمية في الوقت ذاته وذلك بين الحكومة العراقية وقيادة القوات الأميركية في العراق من ناحية، وبين تلك الجماعات والتيارات والتنظيمات التي يعمل كل منها لحساب أجندته ومصالحه الخاصة تماما، بغض النظر عن المصلحة الوطنية العراقية من ناحية ثانية.
فالحكومة العراقية تسعى بكل جهد ونشاط من أجل ترسيخ الاستقرار في أكبر عدد من المحافظات والمدن العراقية، وذلك تمهيدا لبدء انسحاب القوات الاميركية من المدن العراقية اعتبارا من النصف الثاني من هذا العام وفق الاتفاقية الأمنية التي تم التوقيع عليها في شهر ديسمبر الماضي بين بغداد وواشنطن، والتي تنظم وجود القوات الاميركية في العراق حتى انسحابها في عام 2011 وتقنين سبل ومواقع ومهام ما يتبقى منها في العراق - وهو ما يتراوح ما بين 35 ألفا إلى 50 ألف جندي حسبما اعلن الرئيس الامريكي باراك أوباما - بعد ذلك التاريخ الذي حددته الاتفاقية.
اما على الجانب الآخر فإن جماعات وتنظيمات عديدة، عراقية وغير عراقية الجنسية والانتماء ايضا، ومنها تلك التي جاءت من افغانستان، أو اجتذبها وجود القوات الاميركية في العراق، لتخوض معارك ومواجهات لا علاقة للعراق، أرضا ومجتمعا وقضية بها على أي وجه، فانها تسعى بكل السبل إلى اثارة الاضطراب وهز الأمن والاستقرار في ربوع بلاد الرافدين، لا لشيء سوى اظهار الأوضاع في العراق على انها غير مستقرة، وللزعم بأن تلك الجماعات والتيارات والقوى لا تزال قادرة على اثارة المشكلات وتعكير الحياة للعراقيين.
حتى ولو كان ذلك بتفجيرات انتحارية في الأسواق والمطاعم واماكن تجمعات المدنيين والعمال الأبرياء الذين يبحثون عن كسب عيشهم ومواجهة المشكلات التي سببتها لهم الحروب والمواجهات التي خاضها أو تعرض لها العراق على امتداد السنوات الماضية. ومن ثم يدفع المدنيون العراقيون من أرواحهم وحياتهم ثمن مخططات وأجندات ومصالح هؤلاء، الذين يصعب تصور انهم يضعون المصالح الوطنية العراقية في الاعتبار.
على أية حال فإن المصالح الوطنية للعراق دولة وشعبا ومجتمعا، تحتاج الآن، وإلى حد بعيد لتضافر جهود كل القوى والأطراف العراقية في المقام الأول من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في مختلف المحافظات العراقية وتعزيز ذلك بالفعل تحقيقا لانسحاب القوات الاميركية من العراق من ناحية، واستعادة للسلام والأمن الذي يتوق اليه الشعب العراقي الشقيق من ناحية ثانية.
ولعل النجاح في انتخاب رئيس جديد للمجلس الوطني العراقي يشكل خطوة أخرى في هذا الاتجاه. هذا فضلا عن اهمية وضرورة تعزيز الدعم والمساندة العربية للعراق، سياسيا وفي كل المجالات الأخرى ليتجاوز هذه المرحلة الدقيقة، خاصة وان هزيمة العناصر الإرهابية هناك ستكون مقدمة لهزيمتها على مستوى المنطقة ككل.
