شهدت الأيام القليلة الماضية تصعيداً خطيراً لأعمال التفجيرات والعنف في مختلف انحاء العراق، بعد فترة من الهدوء دفعت الكثيرين الى الاعتقاد بأن البلاد بدأت تعود تدريجياً الى حياتها الطبيعية نسبياً، وهو اعتقاد يكشف عن قراءة غير دقيقة لحقائق الأمور على الارض.
هناك عدة تفسيرات لهذا التصعيد المفاجئ، ابرزها نجاح تنظيم 'القاعدة' في اعادة تنظيم صفوفه، وتجميع قواه مجدداً بعد نكسات عديدة تعرض لها في العامين الماضيين، ولجوء بعض وحدات 'الصحوات' الى عمليات انتقامية كرد على تخلي الحاضنة الاميركية لها، واقدام حكومة نوري المالكي على عمليات اعتقال لقيادات فيها بتهمة ارتكاب جرائم ضد الدولة وقواتها سابقاً.
بداية لا بد من التأكيد على نقطة أساسية، ربما غابت عن الكثيرين المتعاطين بالشأن العراقي، وهي ان اعمال التفجير والعنف لم تتوقف في العراق طوال الأشهر الماضية، ما حدث هو ان وتيرة هذه الأعمال قد خفت نسبياً بسبب زيادة عدد القوات الاميركية.
ونجاح خطط اميركية بالتعاون مع دول نفطية عربية في استخدام المال لشراء بعض 'شيوخ الصحوات'، وتطور مفهوم خاطئ لدى بعض العشائر السنية بضرورة التعاون مع قوات الاحتلال الاميركي للاستفادة منها مادياً ولوجستياً وسياسياً، أي الحصول على اسلحة وتدريب وأموال ومشاركة في الحكومة.
التفجيرات الأخيرة التي وقعت في العاصمة والنجف ومناطق أخرى، تحمل بصمات 'القاعدة' اولاً، و'الصحوات' ثانياً. فالعمليات الانتحارية وتنفيذها، وخصوصاً من قبل نساء، تؤكد ان تنظيم 'القاعدة' عاد الى سيرته الاولى، وبدا اكثر وثوقاً بالنفس.
واتضح ذلك من خلال تصريحات زعيمه في العراق ابو ايوب المصري بأنه لم يغادر العراق مطلقاً، وان غادره فالى الرفيق الأعلى بعد تنفيذ عملية بالحزام الناسف. فالتنظيم مثلما هو واضح من ادبياته المنشورة مؤخراً اعترف بارتكابه اخطاء، وعبر عن رغبته في اصلاحها، وبادر الى الاعتذار عنها، وفتح ذراعيه لخصومه من قوات 'الصحوات' الراغبين في التوبة.
اما السيارات المفخخة التي رأينا تزايد اعدادها في الأيام القليلة الماضية، وحصدها عشرات الأرواح، فربما تكون من تنفيذ بعض الغاضبين من عناصر 'الصحوات' الذين يريدون الانتقام لعملية تهميشهم والزج بهم في احضان الحكومة الحالية التي يعتبرونها طائفية. ومن غير المستبعد ان يكون لتنظيم 'القاعدة' يد في بعض التفجيرات الناجمة عن السيارات المفخخة هذه.
ولا بد من الاشارة ايضاً الى ان المقاومة العراقية الأصيلة التي تضم عناصر تابعة لتنظيم 'البعث' قد نشطت في الفترة نفسها بصورة لافتة، ويتضح ذلك من زيادة عدد القتلى في صفوف القوات الامريكية، حيث تركز على هذه القوات في عملياتها.
العراق ينجرف مجددا نحو العنف وعدم الاستقرار، مما يوحي بأن فترة 'الهدنة' السابقة كانت قصيرة النفس، ولم يتم البناء عليها من خلال مصالحة وطنية حقيقية تعزز حالة الانفراج الأمني، وتراجع اعمال العنف.
