محادثات رئيسة الحكومة الأوكرانية يوليا تيموشينكو مع نظيرها الروسي فلاديمير بوتين تأتي في إطار متابعة الاتفاقات التي عقدها الجانبان خلال الشهور الماضية لإصلاح علاقات التعاون بين البلدين من جهة، والتوصل إلى صيغة دائمة للتعاون في مجال الغاز ونقله إلى المستهلكين الأوروبيين.

ولم تحاول موسكو أن تطالب حكومة كييف بغرامات نظير سحب كميات من الغاز بشكل غير قانوني، ليس فقط في سياق المساعي الروسية لإصلاح العلاقات مع أوكرانيا، وإنما لأن هذا الإجراء قد يفتح الباب أمام اعتراضات من منتجي الغاز الآسيويين أيضاً.

ويبقى الهم الأساسي لروسيا هو ضمان طريق مرور الغاز إلى المستهلكين الأوروبيين،على الأقل حتى عام 2012، إلى أن يتم انجاز تشييد خط أنبوب الشمال الذي سيمكن روسيا من الاستغناء عن شبكة الأنابيب التي تربط بينها وبين المستهلك الأوروبي وتمر عبر دول أوروبا الشرقية وأوكرانيا، وتتعرض لكثير من المشكلات نظراً لسياسات حكومات هذه البلدان الموالية في الغالب لواشنطن.

وعلى صعيد آخر تدور مفاوضات مع أوكرانيا لدمج مؤسسة «أنطونوف» لتصميم الطائرات ومصنع «افيانت» في مدينة كييف ومصنع الطائرات في مدينة خاركوف ضمن «الشركة الموحدة لصناعة الطائرات» التي وضعت الحكومة الروسية جملة مؤسسات مصنعة للطائرات تحت إدارتها لتكون أكبر شركة قابضة لإنتاج الطائرات، ومن البديهي أن الهيمنة على هذه الشركة ستكون لروسيا بحكم التمويل والخبرات.

ومساعي موسكو للتفاهم مع أوكرانيا لا تقتصر على هذه الجوانب، وإنما تشمل أيضاً الجانب العسكري، وقد عكست التدريبات العسكرية الروسية ـ الأوكرانية هذه المساعي، والتي تمت بمشاركة وحدات من القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي، حيث حلقت الطائرات المشاركة في أجواء مقاطعتين أوكرانيتين (خاركوف وبولتافا) ومقاطعة روسية (روستوف).

وتضمنت فعاليات التدريب قيام القوات المشاركة بإيقاف طائرات تخترق الأجواء الروسية والأوكرانية. وكان لابد أن تثير هذه التدريبات الاهتمام، باعتبار أن تجرى عقب الحرب الروسية ـ الجورجية في القوقاز، والتي ساندت أوكرانيا فيها جورجيا ضد روسيا، بل وزودتها بمعدات عسكرية وصواريخ يعتقد أنها أسقطت عدداً من المقاتلات الروسية. وقد جاءت هذه التدريبات لتصب في إطار تعزيز التقارب بين البلدين بغض النظر عما يجري في المجال السياسي.

ولكن لا يجب استباق الأحداث والتعامل مع هذه الجوانب وكأنها تعبر عن تقارب حقيقي بين القيادتين الروسية والأوكرانية، إلا أنها بالتأكيد تعكس سياسة روسية تتحرك بشكل نشط نحو مزيد من التغلغل في الاقتصاد الأوكراني وتوسيع نفوذ الشركات الروسية فيه. ومن الجانب الاقتصادي سيحقق هذا الأمر مكاسب وعائدات جيدة للاقتصاد الأوكراني باعتبار انه سيباشر في استثمار البنية التحتية والقاعدة الصناعية في أوكرانيا التي مازالت مهملة، وتواجه مخاطر الانهيار.

فيما سيؤدي ذلك سياسياً إلى مزيد من الارتباط مع روسيا بدرجة تقل كثيراً عن العهد السوفييتى، ولكنها تزيد على مرحلة الاستقلال. وهو ما سيكون له انعكاسته في توجهات أوكرانيا السياسية، إذ لا يمكن مع تطور هذه السياسة أن يجرؤ أي نظام حكم في كييف على التضحية بالعلاقات مع روسيا ويسعى للتحالف مع خصومها وأعدائها.

ويبدو واضحاً أن سياسة التقارب مع روسيا التي تنفذ عملياً تتم تحت إشراف حكومة يوليا تيموشينكو التي تستعد لخوض معركة انتخابات الرئاسة القادمة، ضد زعيم حزب الأقاليم فيكتور ياناكوفيتش القريب من الكرملين، ما يدفع للاعتقاد بأن تنفيذ هذه الخطة يمكن أن يعبر عن النوايا الحسنة لتيموشينكو تجاه روسيا، ما قد يجعلها المرشح الوحيد لتولي رئاسة أوكرانيا. خاصة أن إمكانية بقاء الرئيس يوشينكو على رأس هرم السلطة تكاد تنعدم بعد تراجع شعبيته بشكل هائل خلال الشهور الماضية.

إلا أن هذه النوايا الحسنة كما يبدو لم تتضمن إغلاق ملف انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، كما انها لم تتضمن التفاهم حول عقد إيجار قاعدة الأسطول الروسي في ميناء سيفاستوبل الأوكراني وهى القضايا الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر على استراتيجية روسيا في المنطقة. وستبقى هذه الملفات معلقة إلى أن تتضح موازين القوى في الصراع الدولي الدائر.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail. ru