ما هو المطلوب من الأمة العربية أن تقدمه لذوي الدماء الزرقاء في القرن الجديد؟ لم نعد بحاجة إلى صكوك الغفران، بعد التطور الذي أحدث تغييرات في العالم منذ القرن السابع عشر حتى هذه اللحظة، ما زالت النظرة المتعالية لأولئك القادمين من أعالي البحار، أو من قبل أحفادهم في العالم الجديد، والأدهى من ذلك أتباعهم، ممن يتقنون زرع الإحباط واليأس لدى العامة من الناس، في زمن برزت فيه أهمية الأيديولوجية بالرغم من الحرب الشعواء عليها منذ ما يقارب العقدين من الزمان، إلا أن لكل زمن أيديولوجية تبرز للسطح، وتحاول أن تفرض نفسها على العالم، وهي لا تخرج عن مقولة العالم العربي ابن خلدون، في تحديد العلاقة بين الغالب والمغلوب.
وربما تكون هنالك حالات استثنائية في التاريخ، مما يحدث إرباكا في آلات الحاسوب في كل مرحلة من مراحل تطور البشرية، وفي بقاع مختلفة من الكون وخاصة الأرض، إن الحضارات لها عمر محدد، وفترة قد تطول، إلاّ أن لكل بداية نهاية، وهي حتمية لا يمكن تجاوزها مهما طال الزمان، وهي تختلف عن حتمية ماركس التاريخية، أو توقعات ماكس فيبر.
لقد فشل مشروع العولمة، لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية للبشرية، وفي الوقت الذي توقع فيه الكثيرون هيمنة النمط الثقافي الأميركي، على المستوى العالمي، وبرز دعاة الليبرالية الجديدة للتبشير بتلك الثقافة، ها هي الولايات المتحدة تعاني من الأزمة المالية التي خلقتها في القرن الماضي، وها هو الرئيس القادم من أعماق إفريقيا يحاول أن ينقذ العالم الجديد حينما تم الخروج عن القوانين الاقتصادية، والذي اتخذه قبله من زعماء العالم الحر، ولعل ما تعاني منه الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، وغيرهما من الدول الرأسمالية نموذجاً لأولئك الذين هيمنوا على العالم على مدى ما يزيد من القرن من الزمان، إلاّ أن هيمنة أقلية على مصير الأغلبية مصيره معروف نحو الهاوية.
وخاصة إذا زال الجانب الإنساني في العلاقة بين البشر، وهنا يبرز سؤال هام ألم تستوعب البشرية الدرس من الحضارات السابقة على مدى التاريخ، من الغرائب أن الأمم ذات الحضارات السابقة هي في أسفل السلم في الوقت الراهن، اللهم إلاَّ تلك التي استوعبت دروس التاريخ! ولم تتباكى على الماضي بل وضعت خططاً للخروج من المأزق الحالي واستطاعت من خلال العمل الدؤوب أن تخرج من عنق زجاجة التخلف، والصين نموذجاً حياً، وواضح خلال الفترة الماضية.
ومن دون مناسبة، وبعد غياب طويل برز ذلك الصديق القديم، وهو المزعج بطبيعة الحال، ضاحكاً، ماذا تريد أن تقول بعد هذه المقدمة، والتي حاولت أن أفهم منها المغزى كما هي عادتك، تصمت طويلاً ولكن... فقلت له رجاء أن تكرمني بغيابك الطويل، وألا تقتحمني وتقطع على الأفكار، هنا اعتدل في جلسته، ووضع رجلاً على رجل.
وقال إنك تدرك أننا أمة مستهدفة منذ فترة قد تزيد عن ستة قرون، وكلما حاولنا النهوض والخروج من الأزمة، برزت لنا معطيات جديدة، وعوامل جديدة، حالت دون التقدم، بل ساهمت في وضع العصا في العجلة، وازددنا تخلفاً عما سبق، وهنا وددت التدخل من دون إذن ذلك المزعج، وقلت ألم تدرك أن اختراق الجبهة الداخلية هي من أهم الوسائل المعرقلة لمشاريع التنمية والتقدم، وإن إلهاء الأمة بقضايا قابلة للنقاش والحوار والأدهى من ذلك الاختلاف، من أهم العناصر التي تحول دون النظر في قضايا جدية، بل وهي إحدى أسباب زوال الحضارات.
ألم تنته بيزنطة عندما كان كهنتها يختلفون في جنس الملائكة، وهل يختلف الحوار الذي يفرضه علينا بعض الظلاميين أو الموالين للعالم الحر عن حوار بيزنطة..
ألم نختلف بين الأصالة والمعاصرة، وبين الاشتراكية والرأسمالية، وبين القطاع العام والخاص على مدى عقود من الزمن، ماذا كانت النتيجة، الجميع يتقدمون ونحن نسير إلى الخلف، وكأن المجتمعات العربية محطة تجارب، والحكم الأول والأخير، لمن يمتلك القرار والسلطة، دون العودة للناس الذين نسميهم الشعب، وهم في أغلب الأحيان مهمشون أو مكبلون بقيود العديد من الأنظمة والقوانين، اللهم إلاّ في حالات نادرة الحدوث، وهي تتناقض مع كل القوانين ذات العلاقة بالمراحل الخمس، أو نظريات الصراع، أو التطور الطبيعي للحياة، ومن عجيب العجائب أن أرضنا هي مهد الديانات السماوية، ومصدر من مصادر المعرفة والعلم.
إلاّ أن إجهاض هذه المجتمعات هو مطلب عالمي في كل المراحل ودائماً يجد العالم فينا من يساعده في تحقيق هذا الهدف ويوفر له المناخ المناسب لإجهاض أية تجربة تحمل الأمل لهذه الأمة، ألم يكن هناك من ساهم في تحطيم فكرة القومية العربية والوحدة العربية، ألم يكن هناك من ساهم بإخماد روح النهضة التي انطلقت مع بزوغ القرن العشرين، وهذا عجيب العجاب تاريخياً، وإلا فما هو تفسير أننا نمتلك كل مقومات التقدم، والوحدة والتحرر، إلاّ أننا ما زلنا أمة مفككة بل ومتحاربة تارة باسم الدول الرجعية والمتقدمة، وأخرى رأسمالية واشتراكية، ومرة أخرى الشمال والجنوب، والمدن والبدو، إلى متى يظل هذا الوضع قائماً؟
حتى إن البعض من المطلعين على التاريخ، يلعنون تلك اللحظة التي برزت فيها الثورات في المجتمع العربي، تلك التي أخرت التطور الطبيعي للمجتمعات العربية، واكتشف الباحثون الاجتماعيون والسياسيون وعلماء الاقتصاد، أن آليات وضع العصا في العجلة هم من قاموا بخلق وإيجاد أدوات السير للخلف في كل مجتمع كان يحاول الخروج من المخطط المرسوم، سواءً في العراق أو اليمن، أو غيرها من الدول العربية، ولم يكن هناك استثناء إلا في الحالات النادرة. وهذا ما دفع البعض إلى إعادة قراءة التاريخ .
ومن ثم إلى القراءة من جديد وحينما عادت من جديد إلى الملكية بشكل جديد وأطر جديدة في بعض الدول العربية، مما جعل شعوبنا تترحم على الملكيات السائدة، وخير مثال على ذلك ترحم العراقيين على المرحلة الملكية، وهنا نعود إلى البداية وهي لا تحتمل أي تأويل أو تفسير، إن من الأهمية بمكان أن تكون هنالك بداية لمرحلة جديدة، وقد تكون في مكان غير متوقع، وهنا تبرز الإمارات العربية المتحدة، كنموذج للوحدة العربية.
وهي المثال الذي ظل صامداً برغم المعوقات، ولعل الحملة الغربية عليها خلال العام الحالي تؤكد على أن النموذج الناجح هو مصدر الهجوم على الإمارات وتجربتها الرائدة في التنمية والذي أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في حديثه الأخير الصريح مع الإعلام، فالهجوم لا يتم إلا على النموذج الناجح.
فلم تعد الصهيونية ولا الغرب قادراً على تحمل نموذج ناجح للتنمية بالرغم من بعض الملاحظات عليه، إن التاريخ لن يرحمنا إذا لم نستفد من هذه المرحلة وأن نتلافى الأخطاء، والتي قد يقع فيها أقوى الفرسان في العالم، إن مسؤولية شعبنا كبيرة، أن يؤكد على تمسكه بالتجربة الوحدوية الرائدة وخطة التنمية التي تؤكد حضورنا على خريطة العالم المتقدم، إن عدم الاستفادة من معطيات الحاضر قد تجعلنا مرة أخرى في أسفل السلم.
رئيس قسم الدراسات ـ «البيان»