عائد للتو من حفل استقبال السفارة السورية في المنامة، وثمة جرس يرن في ذهني: كنت أوشك على البكاء عند عزف النشيد الوطني السوري، مع اللحن الافتتاحي للسلام الوطني لمملكة البحرين، أوقفت محادثة مع صديق وعدلنا وقفتنا احتراما حتى انتهى السلام، وما ان بدأ عزف النشيد الوطني السوري إلا وانتابتني عبرة صغيرة ووجدت نفسي اردد مطلع النشيد.. «حماة الديار عليكم سلام/ أبت أن تذل النفوس الكرام/ عرين العروبة بيت حرام/ وعرش الشموس حمى لا يضام».

تذكرت أيامي الأولى في المدرسة، تلميذا صغيرا لم يكمل السادسة من عمره أقف وزملائي في طابور الصباح نردد الأناشيد الوطنية لعدد من البلدان العربية. نحن في منتصف الستينات من القرن الماضي وأساتذتنا بحسهم القومي الملتهب كانوا يلقنونا المبادئ الأولى لأركان ما سنسميه لاحقا «الهوية».

لا ادري ما إذا كانت الذكرى التي أثارها النشيد أم الرباط العاطفي الباقي هو الذي عنى لي شيئا في تلك اللحظة ودفعني لكي استعيد كلمات النشيد وطفولتي في المدرسة؟ لكن المؤكد أن النشيد ليس سوى معنى واحد رمزي وحي لهوية اشترك فيها مع أي مواطن سوري. وإذ كنا في أيامنا ومدارسنا تلك نحفظ الأناشيد الوطنية للثورة الجزائرية (ها قد عقدنا العزم أن تحيا الجزائر) والثورة الفلسطينية (فدائي) والنشيد الوطني المصري الشهير (بلادي بلادي)، فإن الرباط المعنوي هذا رباط مفتوح وحي حتى اليوم.

تداعى هذا إلى ذهني وأنا استعيد وقائع المناقشات التي جرت في 15-16 من الشهر الجاري في ندوة «الهوية في الخليج» في المنامة. يستوقفني على الدوام ذلك الجواب الذي يقدمه الإسلاميون كلما طرحت مسألة الهوية على بساط البحث. الجواب واضح ومحدد ولا يتغير: «الإسلام هو هويتنا جميعا».

جواب ينفي المشكلة على الدوام، ويبدو لي أن الإسلاميين مازالوا حتى اليوم يحومون حول مسألة الهوية ولم يتعاطوا معها بحساسية علمية. لقد كان ذلك الجواب محور مداخلات نواب إسلاميين في مجلس النواب البحريني يردون فيها ويعلقون على ما جاء في ورقة رئيس جهاز الأمن الوطني في الكويت الشيخ ثامر الصباح.

لقد حدد المسؤول الأمني الكويتي في ورقته نوعين من المخاطر على الهوية في منطقتنا هنا في الخليج، الأول هو «الوجود الكثيف للعمالة الوافدة» والثاني هو «تصاعد النزعات الطائفية والعرقية في مجتمعات الخليج».

وعندما سألته أثناء المناقشات عن أي نوعي المخاطر أكثر إلحاحا وأولوية من وجهة نظره رد الشيخ ثامر: «تصاعد النزعات الطائفية».

لكن ذلك الجواب (الإسلام هو هويتنا جميعا) تردد على لسان صديقنا العزيز النائب صلاح علي رئيس جمعية المنبر الوطني الإسلامي وآخرين أيضا بشكل قاطع وجازم يدفعني للتوقف قليلا.

الإسلام مكون أساسي لهويتنا لكن على ما يبدو فإن القناعة بذلك (وليس الإسلام) لا تقدم جوابا شافيا لما نعايشه من صعود مشكلة الهوية في احد أخطر وجوهها: تصاعد النزعات الطائفية وطغيانها. فالجواب القطعي يبدو وكأنه إشاحة عن مشكلة حقيقية باتت تؤثر لا في الحراك السياسي فحسب بل بشكل أعمق بكثير في الحياة اليومية.

لكن تلك صيغة ملطفة، فعندما تبلغ النزعات الطائفية والعرقية هذا المدى من التأثير والرسوخ في الحياة اليومية فان هذا له معنى واحد: «ثمة جمر تحت أرجلنا». أو بمعنى آخر: «براميل بارود جاهزة للانفجار».

أمام ذلك الجواب القطعي أجد نفسي وغيري نتساءل: إذا كان الإسلام هو الجواب حيال مخاوف وتساؤلات الهوية المطروحة اليوم بشدة، فما هو تفسير هذا التصاعد للنزعات الطائفية والعرقية؟ الخلل في القناعة وليس في الإسلام، لأن الجواب يلتمس من الإسلام جوابا حصريا وقاطعا لمشكلة متحركة ومتغيرة من وقت لآخر وتخضع لكل أشكال التأثير.

لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالقول إن الإسلام هو هويتنا الجامعة بشكل قطعي، جواب قاصر وهو جواب سياسي وليس جوابا فقهيا مستمدا من الإسلام نفسه، بل يدل على قصور في فهم المعنى الحقيقي لأن نكون مسلمين، بل وحتى في أن نكون مسلمين وعربا أيضا. فالإسلام لا يجمع العرب فحسب بل شعوبا شتى من قوميات وأعراق مختلفة، والتاريخ أن سجل شيئا حتى يومنا هذا، فإنه سجل وبشكل واضح أن الإسلام لم يمنع شعبين مسلمين من خوض الحروب والاندفاع في العداوات المريرة عبر قرون.

الصراعات الراهنة في عالمنا اليوم كفيلة بتقديم مؤشرات مقلقة. حصر الهوية بالإسلام لن يقدم جوابا شافيا للضراوة التي يتميز بها الصراع في إقليم دارفور في السودان مثلا، لأن طرفي النزاع وضحاياه مسلمون. ولن يجدي هنا الحجاج بأن من المسلمين من يستحق العقاب لأنه خارج عن إجماع الأمة.

فعلى هذا النحو، يتم تفسير كل ما شهده تاريخنا منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم من حروب واقتتال ومذابح واضطهاد، ومن الواضح أن القول بان الإسلام هو الهوية الجامعة لم يقدم جوابا شافيا. بل على العكس، فان الشرخ الكبير الذي أصاب الإسلام وما يعانيه حتى اليوم هو بالضبط ما يقدم الجواب على خطأ نفي مشكلة الهوية بردها إلى جواب سياسي مثل ذاك «الإسلام هو هويتنا».

من المؤكد أن الإسلام هو مكون أساسي في هويتنا، لكن من الخطأ القول انه الجواب النهائي والقطعي لمشكلة هوية آخذة في التصاعد وللأسف باسم الإسلام أيضا وتلتمس الأجوبة باسم الإسلام. فها نحن وبعد نحو أكثر من 25 عاما مما اصطلح على تسميته «الصحوة الإسلامية» نجد أنفسنا في ذروة هذه الصحوة تحت استحواذ النزعات الطائفية. فما السبب؟

تأملوا هذا الشعار «فلسطين إسلامية».. عندما يعلن فلسطينيون إن «فلسطين إسلامية» سيتساءل مواطنيهم المسيحيون: ماذا عنا نحن؟ فالقطع بهوية إسلامية لفلسطين مثلا سيجرد مفهوم المواطنة الفلسطينية من أحد أركانه الجامعة.

في مثالنا هذا من الواضح تماما أن الدين أيا كان (الإسلام أو المسيحية) ليس هو ما يجمع الفلسطينيين مثلا، وكذا المصريين واللبنانيين والسوريين والأردنيين والعراقيين ولا البحرينيين. ما يجمعني مع البحرينيين هو «المواطنة» التي تمت التضحية بها على مذبح الطائفة والقبيلة والعرق.

هذا هو جذرنا الجامع، لكن ثمة ما يربطني أيضا بالعرب الآخرين أيا كان دينهم كما أن ثمة ما يجمعني أيضا بشعوب أخرى في أي مكان، هوية إنسانية. فالهوية ليست صيغة جامدة أو ثابتة بل متحركة ومن الصعب والخطأ أيضا حصرها في مكون أو مرجعية واحدة بشكل قطعي وحصري.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh