كتاب جديد يضيفه أستاذنا الدكتور عبد المالك التميمي (رئيس قسم التاريخ بجامعة الكويت) إلى قائمة مؤلفاته التي نشرها بعد حصوله على درجة الأستاذية في تخصصه التاريخ، وليبرز كثيراً من أقرانه الذين تفتر هممهم بعد أن يبلغوا أعلى الدرجات في السلم الأكاديمي.
والكتاب الجديد يخرج فيه عن تخصصه التقليدي وهو تاريخ الخليج العربي في عصوره الحديثة إلى مجال علمي آخر وهو علم الاجتماع ليلج في أصعب موضوعاته وأشدها وعورة وهو دراسة الطبقات الاجتماعية مركزاً على دراسة الطبقة الوسطى العربية.
واللافت لكل ناظر، يكون على درجة من معرفة معاني المصطلحات، إلى عنوان كتاب دكتورنا الفاضل أنه يستخدم مصطلح «العالم العربي» وليس «الوطن العربي»، فهل كانت تلك هفوة أم تحولاً فكريا قد وقر في وجدانه؟!
لِمَ الطبقة الوسطى تحديداً، لأن « التقدم في دولنا مرهون بمدى نهضة» هذه الطبقة، كما تثبت «التجارب التاريخية المعاصرة» في عدد من الدول ومنها ـ كما يقول ـ اليابان والهند وماليزيا. وأهمية الطبقة الوسطى أيضاً ـ وهنا يقتبس المفكر المغربي عبدالله العروي ـ لأنها «تمتلك أكثر من غيرها قدراً من الثقافة ومتعلمة».
والحق، أن ميلاد هذه الطبقة المتوسطة الحديثة (دون أصحاب الحرف التقليدية) في عموم البلاد العربية قد جاء بفعل تطور التعليم وانتشاره. ثم أن هذه الطبقة هي مركز النشاط السياسي قيادات وقواعد، على اختلاف توجهاتها من قومية ودينية ويسارية.
والداخلون في هذه الطبقة هم من المتعيشين بشكل أساسي على «المرتبات المكتسبة من الحكومة أو القطاع الخاص، وأولئك الذين يعملون في قطاع المهن الحرة». وهي تضم فئات متعددة لعل من أهمها العسكريون، أما الطلبة فهم «مشروع الطبقة الوسطى الدائم».
والقارئ لمؤلف أستاذنا التميمي لا يستطيع تكوين فكرة عن حجم هذه الطبقة في المجتمعات العربية رغم مركزية ذلك بالنسبة لعمله، فهو يستخدم أرقاماً لبعض الدول العربية فقط، فضلاً عن أنها أرقام قديمة، كما في إشارته لكل من لبنان وسوريا (1970) والكويت (1973)!! والتي (كان!!) يتراوح حجم الطبقة فيها مابين 40 إلى 60% من الصورة الكلية للبناء الطبقي آنئذ.
وقد اجتهد أستاذنا ـ لقلة المراجع أو بالأحرى عسر الحصول عليها ـ ليعطينا فكرة عن متوسط راتب الموظف شهرياً في عدد من الدول العربية عن طريق المقابلة والسؤال الشخصي، فألفاها تتراوح في العام 2005 بين 2600 دولار كأعلى متوسط في الكويت وبين 350 دولارا كأدنى متوسط في اليمن.
ويعتقد المؤلف جازماً أن العقود الأخيرة من القرن العشرين قد شهدت تدميراً للطبقة المتوسطة في بعض المجتمعات العربية «نتيجة لسياسات اقتصادية وأنظمة ديكتاتورية» واجتماع «لمصالح قوى اجتماعية داخلية وأخرى خارجية». والعجيب أن تلك القوى الداخلية هي «شرائح من الطبقة الوسطى نفسها» حيث «تنكرت لطبقتها وأغرتها السلطة فانحرفت وتسلطت»!!
ويعطي المؤلف الفاضل سبباً آخر لهذا «التدمير الذاتي» من شريحة من الطبقة الوسطى لمجمل طبقتها وهو أنها «تخشى نمو وهيمنة (تلك الشرائح المناوئة) وفكرها الليبرالي على نفوذها وفكرها التقليدي»!!
ونظرية المؤامرة هنا تطل في أبهى صورها رغم نفي المؤلف لها (ص325)، فكيف تدمر طبقة ذاتها، وماذا عساها أن تستند عليه اجتماعياً في حكمها إن كان ذلك صحيحاً؟! ثم أن بيان ذلك «التدمير» بحاجة إلى أدلة من واقع الإحصائيات والأرقام، حيث يشير المتوفر منها تعاظماً في حجم هذه الطبقة، إن أخذنا مؤشرات المؤلف دليلاً على مكوناتها ومنها العاملون في سلك الدولة من العسكريين والمدنيين، حيث إن قطاع الدولة هو أكبر مشغل للعمالة في الوطن العربي.
ومن مظاهر «التدمير» التي يرصدها المؤلف «ضنك العيش» الذي يحيا في ظله نسبة كبيرة من أبناء هذه الطبقة والتي تتمثل أبرز تجلياتها في «بطالة المتعلمين» حيث تدفع البعض منهم من أصحاب المؤهلات إلى الهجرة. وفي هذا الصدد يورد بعض الأرقام القديمة للذين هاجروا إلى الولايات المتحدة في حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وهذه لا يمكن أن تعطي مؤشرات واضحة للوضع هذه الأيام.
أما هجرة الكفاءات إلى دول الخليج العربي فيعتقد أنها «تحتاج إلى وقفة لبحثها وتأملها»! ولم تصب الأوضاع المادية الطبقة الوسطى العربية في مقتل، بل أصابتها في قيمها أيضاً، إذ « تريفت» المدن العربية و«تبدونت» وغاب عنها الانفتاح والتسامح، والمدن هي حاضنة الطبقة الوسطى الطبيعية، وأصبح أهلها يشكون من ظاهرة «ازدواجية القيم»!!
وفي هذا المقام يكثر مؤلفنا الاعتماد على عملي حليم بركات وسعد الدين إبراهيم، وكنت أتمنى لو اطلع على أعمال الوردي التي أشبعت هذا الموضوع بحثاً، والتي اعتمد عليها كلا الباحثين.
وختاماً، فإن ملاحظاتنا على الكتاب لا تقلل أبداً من شأنه أو شأن صاحبه، إذ هي لا تعدو أن تكون «مداعبات» أو بالأحرى « مشاغبات» تلميذ لأستاذه.
كاتب كويتي