متوالية شروط حكومة نتانياهو المسبقة، تبدو بلا قعر. كل يوم يطلع منها نسخة مختلفة. مسلسل تتناسل حلقاته عن بعضها، في إطار سياسة التعجيز التي تعتمدها، منذ ولادتها. إسرائيل تتقن هذه المهنة ولها فيها باع طويل. مارستها طوال تاريخها، إما للتنصل من التزامات ووعود قطعتها وأبرمتها. وإما للتهرّب من التزامات واتفاقيات جديدة. لكن الحكومة الراهنة، أضافت إلى هذا الإرث؛ الكثير من التحدّي والصفاقة والاستفزاز.

ليس لتحسين موقعها وأوراقها. وليس كثمن للقبول بمشروع سلام، أو لتقديم تنازلات. قائمة المطالب الشرطية والمفتوحة السقف، تزعم أنها تضعها كشرط لتوافق على التفاوض مع الفلسطينيين.

لكن في الواقع هي تضع كل العصي في الدواليب، لتضمن إسقاط حتى هذه الخطوة الأولية. مدخل لا تنوي ولوجه. ولا يبدو أنها في هذا الوارد، طالما بقيت المبادرة بيدها والساحة خالية من الكوابح اللازمة، للجم استئسادها وفجورها العنصري.

أول حلقة، كانت بعد ساعات من تسلّمها الحكم؛ عندما تنصّلت من كافة الالتزامات السابقة واشترطت تقديم ما سمّته بالسلام الاقتصادي على ما عداه.

فهذا يكون، حسب طرحها، تجربة تمتد لسنوات يمكن بعدها التفاوض حول الوضع السياسي للفلسطينيين. لم يكن بالإمكان تسويق مثل هذه الترّهات. عشية وصول المبعوث ميتشل، قفزت إلى شرط ربط استئناف المفاوضات، بوجوب اعتراف الفلسطينيين مسبقًاً؛ بيهودية الدولة العبرية.

لعبة خبيثة ومفضوحة، ما كان بالإمكان تمريرها. تراجعت بصورة ملتوية خادعة، عندما زعمت بأن مثل هذا المطلب ليس شرطاً لبدء التفاوض؛ بل هو ضرورة لتحقيق أي تقدّم لاحق في المفاوضات.

آخر ما خرج من جعبة حكومة نتانياهو، وليس الأخير،أنه سيكون من المتعذر عليها؛ المضي قدماً في قضايا محادثات السلام(!) مع الفلسطينيين؛ قبل أن يتم تحقيق تقدم في الجهود الأميركية المتعلقة بالنووي الإيراني. «إن هذا يعتبر شرطاً جوهرياً؛ إذا ما رغبنا في الدخول والتقدّم، في عملية سياسية حقيقية مع الفلسطينيين»؛ كما قال نائب وزير الخارجية الإسرائيلية. ومن يدري، ربما وضعت غداً، أو بعده، شروطاً أخرى، من نوع ضرورة توفير ضمانات بعدم تعرّض إسرائيل لهزّة أرضية، مثلاً!!

اللفّ والدوران، مع الغطرسة والشروط العرقوبية؛ كلها ماركات إسرائيلية مسجّلة، بامتياز. مع هذه الحكومة، ضرب هذا الإنتاج أطنابه.

تردّد أن أوساط إدارة اوباما، تبدي امتعاضها من تصرفات بعض وزراء نتانياهو والتي وصلت إلى حدّ «الاستفزازات المتعمدة». في الحقيقة، هي ليست مجرد تصرفات وزراء. هي سياسة حكومة. وبكل حال إذا كانت الإدارة فعلاً منزعجة من مثل هذا التحدّي؛ فما عليها سوى التصدّي له. المبضع بيدها واستخدامه اليوم خير من غد. هل تفعل؟