مع الحديث الأميركي عن السعي لإحلال السلام في المنطقة، وما يتخلل هذا الحديث من لقاءات واتصالات، يخرج غير مسؤول من إدارة أوباما ليدعو العرب إلى خطوات لبناء الثقة وإبداء حسن النيّـات.

مثل هذا الكلام الأميركي عمره ربما أكثر من ثلاثة عقود، وهو يبدأ عادة بمطالبة العرب بإبداء حسن النيـّـات، ثم بتأكيد حسن النيّـات، فتأكيد التأكيد وهكذا دواليك. ‏

ولا يخفى على أحد أن الأميركيين، وهم يقولون مثل هذا الكلام، يفترضون زوراً وبهتاناً أن إسرائيل جاهزة من كل النواحي للسلام، وأنها تنتظر على أحرّ من الجمر حسن النيّـات العربية. ومثل هذا الافتراض الأميركي هو في الواقع إحدى العقبات الأساسية في وجه السلام. ‏

إدارة أوباما تكثر بالفعل من الحديث عن السلام، وربما تكون صادقة فيما تقوله، فالوقت لايزال مبكراً على إطلاق الأحكام القطعية حيال ذلك، ولكن أليس من المفترض أن تقول هذه الإدارة لإسرائيل ما تقوله للعرب، وأن تطالبها ليس بما تطالب به العرب بل بربعه على أقل تقدير؟. ‏

الرئيس أوباما يعرف بكل تأكيد أن مشكلة السلام في إسرائيل وليست عند العرب، فهي التي تحتل الأرض، وترفض الانسحاب منها مقابل السلام، وهي التي تعتدي، وتصعّد، وتقتل المدنيين بمن فيهم الأطفال، وتهدد أكثر من دولة عربية وإسلامية. ‏

وإسرائيل هي التي تعلن على الملأ على لسان ثنائيها الحاكم نتنياهو - ليبرمان أنها ترفض الانسحاب من الأرض، وترفض مبادرة السلام العربية، وترفض أنا بوليس، وتقول: فليذهب العرب إلى الجحيم. ‏

ألا يعني هذا، وغيره الكثير، أن إسرائيل هي المطالبة بإبداء حسن النيّـة، وهي التي من المفترض أن تتعرض للضغوط الأميركية كي تجنح نحو السلام العادل الذي يعدّ مصلحة إسرائيلية وعربية، ومصلحة أميركية أيضاً كما عبّـر مؤخراً المبعوث الأميركي جورج ميتشل. ‏

إن أي متتبع للأوضاع في المنطقة يدرك أنه إذا كانت إدارة أوباما راغبة فعلاً بإحلال السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، وبتحسين صورة أميركا في العالمين العربي والإسلامي، فعليها أن تبدأ من إسرائيل تحديداً، وأن تقنعها بأسس السلام ومزاياه، وتقول لها: إنه لايمكن بلوغ هذا الهدف دون انسحابها من كامل الأراضي العربية المحتلة. ‏

العرب اتخذوا من السلام العادل خياراً استراتيجياً، وتقدموا بمبادرتهم السلمية، وما تبقى يقع على عاتق إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة. ‏