ليتنا نعيش في عالم يتراشق فيه الناس بالورود وليس بالقنابل. لكن ليت تبقى مجرّد أداة للتمنّي لا يمكن «صرفها» في سوق الواقع مثل جميع أحلام الشعراء.

في الخامس من أبريل ـ نيسان الجاري صفقوا طويلا في العاصمة التشيكية براغ للرئيس الأميركي باراك اوباما عندما ألقى أمام حشد جماهيري كبير خطابه الوحيد أثناء جولته الأوروبية آنذاك. صفّقوا له عندما أعلن عن استعداد بلاده لتزعّم «النضال» ضد التغيّر المناخي وصفّقوا له عندما أعلن أن «ساعة تغيير طريقة استخدامنا للطاقة قد دقّت» وطالب جميع الأمم بالمساهمة في الجهود لـ «استغلال مصادر طاقة جديدة كالريح والطاقة الشمسية».

وتحوّل التصفيق إلى عاصفة عندما وعد اوباما ب«عالم بلا أسلحة نووية»، وبالعمل من أجل السلام والأمن في كوكبنا. ولم ينس الرئيس أن يتدارك ويرفق وعوده بأخذ مسافة الأمان الزمني فيما يتعلّق بتحقيقها إذ أضاف: «أنا لست ساذجا، فهذا الهدف لن يتم تحقيقه سريعا،وربما ليس خلال فترة رئاستي». وربما ليس في غيرها،قد يمكننا المجازفة بالقول.

وفيما هو أبعد من الوعود والأحلام يمكن التساؤل: هل العالم بدون أسلحة نووية سيكون أكثر أمانا؟. وهل الشركاء الأوروبيون،وخاصة فرنسا ذات القوّة النووية الهامة،وروسيا يؤيدون في الواقع الفعلي الاستغناء عن الردع النووي؟.

الإجابات المصرّح فيها علنا وبقوّة تذهب كلّها في اتجاه التأكيد على أهمية و«تاريخية» اقتراح الرئيس الأميركي من أجل عالم خال من الأسلحة النووية وأبرزت الصحف الأوروبية الكبرى في عناوينها الرئيسة بشرى «عالم نقي من السلاح النووي». لكن المواقف الحقيقية تذهب في اتجاه آخر،بل وفي الاتجاه المعاكس.

الرئيس نيكولا ساركوزي كان صريحا في تأكيده أمام ممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بمدينة شاربورغ في شهر مارس ـ آذار من عام 2008 تمسّك فرنسا بالردع النووي،بل واقترح على الأوروبيين الدخول في حوار حول دور القوة النووية الفرنسية في حماية القارّة.

كان للرئيس ساركوزي حساباته بالتأكيد وطموحاته في تثبيت الدور القيادي لفرنسا في أوروبا دون تقديم أي اقتراح حول بناء دفاع نووي أوروبي نووي متكامل ولا حتى حول مجرّد تبادل الآراء فيما يخص إستراتيجية أوروبية للردع النووي.

الموقف الفرنسي الحقيقي عبّرت عنه أصوات من «الصف الثاني» في هرم المسؤولية كي لا يضع أصحاب الصف الأول أنفسهم في موقف التناقض مع ما قاله الرئيس اوباما. هكذا نقرأ لمدير مؤسسة الدراسات الإستراتيجية قوله «إذا كانت إدارة اوباما تعتقد أن الإعلان عن هدف الانتهاء من الأسلحة النووية هو هدف عادل أخلاقيا ومناسب تكتيكيا فإن الفرنسيين لا يعتقدون أن تحقيقه ممكنا أو مرغوبا».

وما بين الدعوة إلى الحدّ من الأسلحة النووية كمطلب يتفق حوله جميع أعضاء «النادي النووي» الكبار وبين القبول بتدمير جميع الأسلحة التي يمتلكونها هناك خطوة لا يريد أحد منهم القيام بها.

إن الحجج المقدّمة للرفض كثيرة. وليس أقلّها القول أن «الردع النووي قد حقق حالة من السلام»، «سلام الرعب»، في ظل مقولة «التدمير المتبادل المؤكّد». صحيح أن العالم وصل أكثر من مرّة أثناء فترة الحرب الباردة إلى حافة المواجهة النووية،خاصة أثناء أزمة الصواريخ السوفييتية في كوبا عام 1962.ولكن حرص الجميع على استخدام التهديد بالفعل «دون الفعل».

ولا يخفى على أحد أن قوى كبرى في مقدمتها الصين هي بصدد تعزيز ترسانتها النووية في أفق الوصول إلى «التكافؤ النووي» مع الولايات المتحدة على غرار «التكافؤ الاقتصادي».

ويؤكّد إستراتيجيون كُثر أن الصين سيكون لديها خلال السنوات القريبة القادمة عددا من الغوّاصات النووية. ثم إن روسيا كما جاء على لسان رئيسها نفسه، ميدفيديف، قبل فترة وجيزة ستبدأ في تحديث ترسانتها العسكرية،بما فيها النووية، اعتبارا من عام 2011 كي تصبح على المستوى «اللائق» بمكانتها على المسرح الدولي كقوّة كبرى. بنفس الوقت وضع الإستراتيجيون الروس مفهوم الردع النووي في صلب عقيدتهم العسكرية للسنوات العشرين القادمة.

وحجّة أخرى يرددها الرافضون «واقعيا» والمؤيدون «إعلاميا» وبالأحرى «إعلانيا» لمقولة «العالم بلا سلاح نووي» التي أطلقها اوباما في براغ. تقول الحجّة أن منظومات الأسلحة غير النووية لم تثبت جدارتها في تحقيق الأمن والسلام للعالم.بل العكس هو ما تبديه مسيرة الإنسانية وسلسلة الحروب المتعاقبة أو المتزامنة التي عرفتها وحيث أن التاريخ الإنساني هو تاريخ حروب فصلت بينها فترات سلام طالت أو قصرت.

ومن المقولات الشائعة في القاموس الإستراتيجي اليوم أنه «إذا أصبحت الأسلحة النووية خارجة على القانون فإن الخارجين على القانون هم الذين سوف يمتلكونها». هذا إلى جانب القول أن الردع النووي بصيغته التقليدية أصبح «دون جدوى» أمام التهديدات وأشكال العنف الحالية التي تمارسها مجموعات وليس دول.

في المحصّلة، الكل يعرف واوباما يعرف أن النزع الكامل للأسلحة النووية لن يكون غدا أو بعد الغد، وأن الكثير مما قيل في هذا المجال هو من باب الحديث فيما يحب الناس أن يسمعوه. لكن ستكون هناك جهود من أجل الحظر الكامل للتجارب النووية وربما العمل على تقليص أكبر ترسانتين نوويتين، أي الأميركية والروسية، في مسعى مشترك لتخفيض النفقات.

الأسلحة النووية هي إذن «بخير» ولا خوف على مستقبلها. لكن لا يزال الخوف قائما من نشوب «حرب نووية عفوية» و«الخطأ قد يكون إنسانيا أو آليا»؛ هكذا يقول الخبراء العسكريون. ولا تراشق بالورود يلوح في الأفق.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr