نتائج القمة الاقتصادية التي انعقدت في لندن مطلع أبريل الجاري، وحضرها زعماء عشرين دولة، الأقوى اقتصاداً في العالم. كشفت عن حقيقة واضحة تقول ان الأزمة الاقتصادية العالمية أضعفت إلى حد كبير الدورَ الذي تلعبه الولايات المتحدة في قيادة الاقتصاد العالمي، كما كشفت كذلك عن أن القطب الأميركي الأوحد لم يعد له وجود في الواقع، وأن الإمبراطورية الأميركية تسير في نفق مظلم لا يبدو فيه ضوء على المدى البعيد.

كما أظهرت هذه القمة كذلك أن القوة الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية تواجه حالة انهيار فعلية وحقيقية مهما حاول البعض إخفاء ذلك، والمتتبع لتصريحات خبراء المال والاقتصاد الأميركيين أنفسهم لا يجد أكثرهم تفاؤلاً يتوقع أن تنهض الولايات المتحدة من هذه الأزمة قبل عدة سنوات لا تقل عن عقد كامل، هذا في حالة ما إذا كان القائمون على الاقتصاد هناك جادين فعلاً في البحث عن الحلول.

أما الذين يتصورون أن الهيمنة الأميركية مُستمَدةٌ في الأساس من قوة ترسانتها العسكرية وليس من قوتها الاقتصادية، مستندين في ذلك للاتحاد السوفييتي السابق والصين عندما كانتا دولتين عظميين بقوتهما النووية والعسكرية فقط بينما اقتصادهما كان ضعيفاً للغاية، هذا الرأي ليس صحيحاً بالمرة، لأن دعامة القوة الأميركية كانت الاقتصاد وليس العسكرة، ونفوذها العسكري انتشر في العالم مرتبطاً دائماً بنفوذها الاقتصادي.

وليس العكس، والدليل على ذلك أنه الآن بينما الاقتصاد الأميركي يواجه الانهيار والتآكل نجد أن القوة العسكرية لا قيمة لها ولا ترهب أحداً، وها هي دول صغيرة في وسط آسيا تطرد القواعد العسكرية الأميركية من أراضيها، بينما القوة العسكرية الأميركية تواجه الفشل في أفغانستان. اجتماعات قمة لندن شهدت اختلافاً واضحاً في وجهات النظر بين ثلاث مجموعات.

أولها المجموعة الانجلوسكسونية بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، وثانيها المجموعة الأوروبية بزعامة ألمانيا وفرنسا، وثالثها مجموعة الدول الأسرع نمواً بقيادة الصين وروسيا، وهذه المجموعة الأخيرة تتبنى فكرة الاستغناء عن الدولار الأميركي كعملة احتياط عالمية. النتائج الأوليةَ التي تمخضت عنها قمة لندن، تشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة فقدت عملياً قدرتها على فرض مصالحها الاقتصادية على الآخرين، وهذا ما يمثل نذير خطر بالنسبة لها، لأنه يحد من قدرتها على المناورة ويجبرها بالتالي على ترشيد وربما تقليص طموحاتها الجيوسياسية.

إدارة الرئيس أوباما تستوعب هذه الحقائق جيداً، ولهذا نجدها بعكس إدارة الرئيس بوش الابن السابقة لا تستعرض عضلاتها وتقلل من الحديث بلغة القوة والسلاح والتهديد، بل وتسعى بأقصى قدر للتقليص من عدد خصومها وأعدائها والمختلفين معها، فنجدها تتوقف تماماً عن لغة التهديد والوعيد لإيران وتستخدم بدلاً منها لغة الحوار والدبلوماسية وحتى المغازلة والتودد.

كما نجد إدارة أوباما تسعى بجدية لتحطيم الجدار الذي ارتفع بينها وبين دول أميركا الجنوبية الذين انتشرت بينهم نزعة العداء لواشنطن أثناء حكم بوش الابن، ومن كان يصدق أن يمد الرئيس الأميركي يده لمصافحة رؤساء مثل الفنزويلي شافيز والبوليفي موراليوس ونيكاراجوا أورتيجا، ومن كان يتوقع أن يسمع من أوباما حديثاً حول رفع العقوبات والحصار عن كوبا وتأسيس علاقات طبيعية معها.

ما يفعله أوباما وإدارته ليس مناورات دبلوماسية ولا خططاً تكتيكية، بل هو الأمر الواقع المفروض على واشنطن الآن، والذي يفرض عليها عدم توسيع دائرة نزاعاتها وخلافاتها، خاصة وأن واشنطن لا تلمس من الأوروبيين بوادر تعاون في ظل الأزمة، وتتوقع منهم في حالة نمو الأزمة في المستقبل، وهو أمر متوقع قريباً، أن ينصرف كل منهم لإنقاذ اقتصاده ومواجهة تداعيات الأزمة داخل بلاده، كما توجد قناعة كبيرة لدى واشنطن بأن الكثيرين على الساحة الدولية يتمنون لها الانهيار وحتى التفتت، خاصة وأن مشكلاتها أصبحت كثيرة ونتائجها كارثية على الجميع.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru