وفقا لمنظمة الصحة العالمية يوجد في عالمنا ما يزيد على بليون شخص يعانون من زيادة الوزن، من بينهم 300 مليون شخص يعانون من البدانة. وتتسبب البدانة في أمراض عديدة مثل أمراض الأوعية الدموية والقلب وارتفاع ضغط الدم والذبحة الصدرية ومرض السكري وأمراض الجهاز الهضمي والاضطرابات النفسية مع زيادة احتمالية الوفاة.
وتؤكد المنظمة على أن الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى البدانة تتعلق بتناول أطعمة زائدة عن حاجة الجسم تتسم بالدسامة والدهون المشبعة إضافة إلى التهام قدر كبير من السكريات مع عدم القيام بأية أنشطة رياضية. والواقع أن البدانة طالت كافة مجتمعات العالم ومن بينها الشعوب الآسيوية التي اتسمت تاريخيا بالرشاقة مقارنة بغيرها من الشعوب الأخرى.
ولا يختلف عالمنا العربي عن غيره من الدول الأخرى، وبشكل خاص في منطقة الخليج التي لم تعهد ظاهرة البدانة فيما قبل. فمع التحولات الاقتصادية الهائلة التي واجهتها الدول الخليجية تغيرت أنماط العيش، كما تغيرت أنماط الطعام والعادات الغذائية، وهو ما أدى لتزايد ظاهرة البدانة في هذه المجتمعات عما قبل، مع ما يرتبط بذلك من انتشار بعض الأمراض مثل السكري وضغط الدم والقلب.
ووفقا للعديد من الدراسات الخاصة بمنظمة الصحة العالمية فإن ما يزيد على 50% من المواطنين في الخليج يعانون من زيادة في الوزن والبدانة. وترى دراسات المنظمة أن أسباب ذلك ترجع لقلة ممارسة الرياضة وأنماط الحياة المسترخية والعادات الغذائية المضرة. كما تؤكد العديد من الدراسات على أن النسبة الأعلى للبدانة تنتشر بين النساء، وإن كانت النسبة بين الرجال مرتفعة أيضا.
ولا تقف البدانة على دولة خليجية دون غيرها فالنسبة مرتفعة بشكل كبير في كل الدول الخليجية بدون استثناء، وهو الأمر الذي يؤدي إلى ضرورة الوقوف عند بعض الجوانب الاجتماعية المساعدة على هذه الزيادة.
يأتي في صدر هذه الجوانب الاعتماد المفرط على وسائل الراحة المختلفة مثل استخدام السيارة بشكل مبالغ فيه سواء من جانب الرجال أو النساء على السواء. فالسيارة أصبحت جهاز الشلل العصري الذي يقيدنا إليه بدرجة مخيفة، ويجعلنا لا نفكر في التحرك إلا من خلاله. يلي ذلك الاعتماد الهائل على الخادمات في المنازل أو حتى خارج المنازل في الحدائق أو الأسواق.
وهي ظاهرة مخيفة تتسبب في أمرين على درجة كبيرة من الخطورة أولهما المزيد من خلل التركيبة السكانية، وثانيهما المزيد من التكاسل في العمل المنزلي وعدم مزاولته، بما يرتبط بذلك من انعدام التواصل الأسري بشكل جيد والتهرب من التربية الواعية الحقيقية للأطفال والأجيال الجديدة.
لا ينفصل الاعتماد على السيارة والخادمة عن مصفوفة بنية القيم التي تساعد على استشراء الاسترخاء والاعتماد المفرط على وسائل الراحة المختلفة. فالسيارة تحولت من وسيلة نقل إلى رمز اجتماعي يحدد مكانة الفرد في المجتمع، كما أن استخدام عدد أكبر من الخادمات يمثل مؤشرا اجتماعيا لمكانة المرأة بين قريباتها والمحيطين بها.
ولا ينفصل عن بنية القيم الجديدة المرتبطة بالثراء ذلك الإفراط الشديد في الولائم والاستخدام المفرط للحوم والشحوم المختلفة. والملاحظ أن الإقبال المفرط على اللحوم لا يقابله القدر المطلوب من الحركة والعمل والنشاط، وهو الأمر الذي ينعكس لا محالة في تراكم الدهون في الجسم وزيادة البدانة والسمنة.
من الأمور الدخيلة على الأسرة العربية بعامة والخليجية على وجه الخصوص ذلك الاعتماد المتزايد بدرجة كبيرة على الأطعمة السريعة من سلاسل المحلات الغربية المتعارف عليها، أو تلك المتخصصة في الأطعمة المحلية. ويدفع الأطفال والمراهقون ثمنا باهظا نتيجة لتناولهم الأطعمة السريعة التي أصبحت نمط حياة يومي، يتجاوز العابر والترفي.
فالمراقب لأي سوق تجاري يمكنه أن يرى الأطفال وهم يلتهمون الدجاج واللحوم والبرجر والبطاطس وكلها تقطر دهنا وشحوما بشكل قد يصيب من لم يتعود على هذه الأطعمة بقدر من الغثيان. لكن مع هذه الأجيال الجديدة يصبح الأمر أقرب للإدمان بغض النظر عن التداعيات الصحية والاجتماعية الناجمة على ذلك.
لا تقف مخاطر الأطعمة السريعة فقط عند الجوانب الصحية لكنها تمثل انعكاسا مخيفا لما أصاب الأسرة العربية والخليجية من أدران التفكك والتحرر الفردي، حيث يُعد التفاف الأسرة في الماضي حول الأطعمة المنزلية ركنا أصيلا ورئيسيا من متابعة الأطفال والتعرف على سلوكياتهم اليومية.
من الضروري أن تتحرر ممارسات الأفراد من الاعتماد على السيارة والخادمات، كما أنه من الضروري أن تصبح الوجبات المنزلية ركنا أصيلا في حياتنا، وأخيرا يجب الاقتداء بحياة وقيم الفقراء حيث الحركة والنشاط والتضامن والتحرر من إدمان اللحوم الحمراء والبيضاء على السواء.
كاتب مصري
