نستطيع أن نؤكد ، وبكل ثقة ، أن لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني مع الرئيس الاميركي «اوباما» هو لقاء تاريخي ، بكل ما تحمل الكلمة من معنى ومضامين ، فهذا اللقاء تطرق إلى اقدم واخطر قضية في العالم ، ونعني قضية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي ، حيث حمل جلالته الموقف العربي ، من العملية السلمية ، وتصوراته لوضع حد لهذا الصراع ، وتحرير المنطقة من الارتهان للتطرف الاسرائيلي ، مستندا إلى قرارات الشرعية الدولية ، ومبادرة السلام العربية ، والتي تؤكد مصداقية التوجه العربي لاحلال السلام والاستقرار في المنطقة ، والتطبيع مع اسرائيل ، شريطة الانسحاب الكامل من الاراضي العربية المحتلة عام 1967 ، وفي مقدمتها القدس الشريف ، والتفاوض حول عودة اللاجئين بموجب القرار 194 ، وتعري بالمقابل الموقف الاسرائيلي القائم على فرض سياسة الامر الواقع.

إن استقبال الرئيس «اوباما» لجلالة الملك ، وهو اول قائد عربي يلتقيه يؤكد المكانة التي يحتلها الأردن وجلالة الملك وذلك لسعيه الدؤوب المخلص لتحقيق السلام العادل والشامل وهذا ما تأكد من خلال حرارة اللقاء ، والمشاعر الفياضة التي استقبل بها جلالته ، وعبارات التقدير لدوره ، ولدور الأردن في ترسيخ نهج الاعتدال في المنطقة ، وحل كافة القضايا بالحوار ، والاصرار على استئناف المفاوضات ، للخروج من النفق المظلم ، الذي وصلت اليه ، بفعل السياسات الاسرائيلية العدوانية ، المتمثلة في استمرار الاستيطان ، وتهويد القدس ، وشق الانفاق تحت الاقصى ، والحصار ، والحواجز الثابتة والمتحركة.

تأكيد الرئيس اوباما على حل الدولتين ، يتلاقى مع الموقف العربي والقرارات الدولية ، ويشكل ردا حاسما ، على محاولات نتنياهو القائمة على التملص من القرارات الدولية ، والالتفاف عليها ، بافتعال قضايا ومطالب جديدة ، مثل دعوته السلطة الفلسطينية الى الاعتراف «بيهودية اسرائيل» والاستعاضة بالسلام الاقتصادي ، بديلا عن المعادلة السياسية التي ارساها مؤتمر مدريد «الارض مقابل السلام».

إن اهمية الموقف الاميركي تنبثق من خطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة ، بعد فوز اليمين الاسرائيلي ، ورفضه الاعتراف بالشريك الفلسطيني ، وبتفاهمات انابوليس ، التي تدعو اسرائيل إلى وقف الاستيطان ، واقامة الدولتين ، وهذا في تقديرنا يستدعي ترجمة هذا الموقف إلى فعل باتخاذ خطوات فاعلة ، تبدأ كما اقترح جلالة الملك باطلاق مفاوضات جادة ، وبالسرعة الممكنة تنتهي بحل الدولتين ، ووضع حد للصراع ، الذي طال اكثر مما يجب ، وكان ولا يزال السبب الرئيسي في حالة عدم الاستقرار ، والفوضى ، والتطرف والحروب ، التي تعصف بالمنطقة من حين إلى اخر بسبب رفض اسرائيل الانسحاب من الاراضي المحتلة والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

لقد عملت الدبلوماسية الأردنية ، وبقيادة جلالة الملك على حشد الرأي العام الدولي ، للضغط على اسرائيل لاطلاق المفاوضات من جديد ، والقبول بحل الدولتين ومن هنا كانت لقاءاته في اميركا بالفعاليات السياسية والنيابية والدينية ، مستعرضا الاوضاع في المنطقة ، والجهود المبذولة لاحلال السلام ، وضرورة الزام اسرائيل بالخروج من عقلية القلعة ، وقبول القرارات الدولية ، ومبادرة السلام العربية ، كحل وحيد ، بعد أن ثبت أن القوة العسكرية لا تصنع سلاما ، ولا استقرارا ، وأن اسرائيل لن تستطيع أن تحتفظ بالارض والسلام معا ، وعليها اذا ارادت أن تعيش في المنطقة وبسلام أن تقبل بحل الدولتين وهذا ما تتبناه الادارة الاميركية والتي تعتبر السلام «مصلحة اميركية» كما صرح المبعوث جورج ميتشل خلال زيارته الاخيرة للمنطقة.

مجمل القول: لقد اثبت جلالة الملك وهو يحمل الموقف العربي من قضية الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي ، الى الرئيس الاميركي ، انه خير من يمثل الامة ، وخير من يتبنى قضاياها ، وخاصة القضية الفلسطينية والتي تعتبر ـ كما قال جلالته اكثر من مرة ـ قضية العرب المركزية وان حلها حلا عادلا ، قائما على حل الدولتين ، وعودة اللاجئين ، هو السبيل الوحيد للخروج من النفق المظلم الذي وصلت اليه بفعل السياسات الاسرائيلية العدوانية.