تأتي خطوة جلالة ملك البحرين حمد بن عيس آل خليفة بالإفراج عما يقارب من 178 معتقلاً في الأحداث السياسية والأمنية التي جاءت على البلاد خلال الفترة السابقة لتمثل خطوة جد مهمة لها بعدها السياسي والإنساني.
وهي خطوة قد طوقت وإلى حد كبير دائرة العنف والشد السياسي. كما وإنها قلصت أو أنهت حالات الصدام ذات الطابع الأمني بين بعض من فلول المعارضة من الإسلام السياسي الشيعي ووقودها من الصبية وطلبة المدارس من ناحية وقوات الأمن من ناحية أخرى. ورغم أهمية الخطوة من الناحية الأمنية إلا أنها بحاجة لخطوات أخرى حوارية بين الأطراف والقوى السياسية المختلفة لتنهي وبشكل تام حالة السجال السياسي القائم في البلاد منذ فترة زمنية، وهي المسألة التي لم تغب عن فكر الدولة.
و قد أوجدت الأحداث الأمنية التي جاءت على البلاد خلال المرحلة السابقة شرخا كبيرا في النسيج الاجتماعي البحريني وعمقت من حالة الاصطفاف السياسي المُتطفئن كما وغذتها وعمقت من حالتها جماعات المصالح وقوى الإسلام السياسي أو بعض رموزها أو بعض من قياداتها الدينية أو الرافعين لراياتها على الضفتين السنية والشيعية. بل أن طبيعة الخطاب السياسي لقادة دول عربية بعينها بالإضافة لممارسات إيران ومحاولاتها مد نفوذها في المنطقة العربية قد غذت من حالة الاصطفاف الطائفي ليس في البحرين فحسب وإنما في عموم إقليم الخليج والمنطقة العربية.
وقد انعكس كل ذلك على الاتجاهات والمواقف التي اتخذتها القوى من قرار ملك البلاد تبييض السجون والانفراج السياسي. ففي حين رأته بعضا من قوى الموالاة والإسلام السياسي السني خطوة قد ترسل رسالة خاطئة لجماعات قد «استمرئت» العنف، بل أنها خطوة قد تعمق لدى هذه القوى كما تشير إحدى رسائل الانترنت من «أن لا شيء يأتي إلا من خلال ضغط سياسي مصحوبا بعنف في الشارع»، بل أنها كخطوة تعبر كما تقول هذه البيانات غير المعنونة عن حالة ضعف تعيشها الدولة. بل أن ذلك قد عبر عنه في الكثير من البيانات الصادرة عن نواب وبرلمانيين ومن خلال الأعمدة الصحافية من قبل بعض الكتاب وفي بعض الجرائد.
بالمقابل فأن قوى المعارضة العلمانية بالإضافة لفصيل من الإسلام السياسي السني وفصائل الإسلام السياسي الشيعي قد وجدت فيها خطوة مهمة من قبل مؤسسة الحكم والدولة لتجاوز حالة العنف والعنف المضاد.
وهي كما يراها بعض أقطاب هذا التيار خطوة سياسية مهمة يجب توظيفها لدعم الدخول في حوار سياسي بين الدولة والمعارضة. وهو طرحا سبق وأن دعت إليه القوى السياسية الليبرالية والعلمانية التقليدية والتي دعت لحوار سياسي شامل لتجاوز اختناقات وانسدادات الحالة السياسية القائمة.
وهو طرح وأن تلقفته بعضا من القيادات السياسية الخارجة من السجن والتي وأن حمل خطابها الجديد قدرا من العقلانية السياسية إلا أنه خطابا لازال ماسكا ببعض من أطروحاته السياسية التقليدية من رفض لصيغة التجربة السياسية وإن قَبِل ببعض نتاجاتها السياسية.بل أن بعضا من رموزها قد وجدت أن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين إنما جاء نتيجة لضغط سياسي مارسه كما يقولون (الشارع في الداخل ودول ومنظمات حقوقية دولية في الخارج). وهي أطروحات لا تحمل مضامين تصالحية كافية للنظام السياسي للدخول معها في حوار سياسي معمق.
من هنا جاء الرد الملكي واضحا من أن الحوار السياسي إن كان له أن يكون فهو في هذا يجب أن يكون عبر نواب الشعب في البرلمان. وهو رد حمل في إطاره ردود عديدة: أولها أن الصيغة السياسية القائمة في العمل السياسي وفي المشاركة قد تكون صيغة قابلة للتعديل، إلا أنها ليست قابلة للنسف أو للتراجع.
وأن الحوار السياسي يأتي من خلال القوى الداخلة في التجربة والقابلة بها وإن دعت لتعديلها، وليس لتلك الخارجة عليها. وأن الحوار يتطلب قبولاً سياسياً بقنوات التغيير السياسي المتاحة دستوريا وليس من خارجها. ثانيا:ان الحوار قد يتطلب من القوى السياسية المعارضة أو لنقل من بعضها تعديلا في الخطاب وقدرا من الواقعية السياسية تأخذ في اعتبارها المعطيات الإقليمية وتداعياتها على إقليم البحرين وهو مطلب قد لا يعني تخليا عن بعض المطالب أو الاطروحات السياسية وإنما تأجيلا لها وتكييفها مع المعطى المحلي والإقليمي الذي قد لا يتحمل تصعيدا وتوتيرا للشأن المحلي.
إن الحوارات الصحافية التي تم أجراؤها مع بعض قيادات التيار الخارجة من السجن قد لا تكشف عن تغيرا مهما في الموقف من صيغة العمل السياسي القائم رغم قدر من التغيير والواقعية التي بدت على بعض جوانبه. فالتجربة(أي الصيغة التشاركية القائمة) هي صيغة كما يراها النظام تحقق قدراً كبيراً من التوازن الداخلي .
وهي في ذات الوقت لا تفقد النظام قدرته على ضبط العمل السياسي الداخلي أو أن تكون التجربة مدعاة لتداعيات إقليمية أخرى قد يتضرر منها الجوار الإقليمي. وفوق هذا وذاك فأن العمر الزمني للتجربة وما واكبه من شد سياسي لم تتح للتجربة اختبار مقولاتها أو قدرتها على الإيفاء بمتطلبات أو حق المشاركة.
من الناحية الأخرى فإن تقوية اتجاه المشاركة قد يتطلب أن تُشعر القوى السياسية المعارضة أن مشاركتها ليست مطلوبة كغاية في حد ذاتها وإنما كون دخولها التجربة قد يحقق لها ولأتباعها بعض المكاسب السياسية والاقتصادية. فتقوية قوى الاعتدال في أوساط المعارضة قد يتطلب تحقيق قدرا من الاعتدال في مواقف القوى الدغهازية المتطرفة على صعيد قوى المولاة أو تلك المحسوبة عليها.
وتبقى رغم كل ذلك خطوة الانفراج السياسي خطوة مهمة في طريق تدعيم المشروع الإصلاحي وإن جاء بعضها على النفس أو نظر إليها القريب أو البعيد على أنها دليل وهنا سياسيا.
فالعبرة تبقى في قدرة العمل على تحقيق المرامي والأهداف السياسية البعيدة التي يدخل في جوهرها تدعيم حالة الاستقرار السياسي العام. فالخطوات السياسية القصيرة المدى أو تلك القائمة على الانفعالات السياسية الآنية لا تخلق استقراراً سياسياً دائماً وإن جاءت ببعض المكاسب السياسية الآنية.
كاتب بحريني