لعل أميركا اللاتينية هي المنطقة التي يمكن من خلالها أكثر من غيرها تقييم قدرة الرئيس الأميركي على إحداث تغير عميق في السياسة الخارجية لبلاده. والأسباب في ذلك متعددة. فأميركا اللاتينية هي المنطقة التي طالما أطلق عليها الأميركيون، ديمقراطيون وجمهوريون، «الفناء الخلفي» لبلادهم.

وهو تعبير رغم فجاجته إلا أنه يعكس إجماعا أميركيا على أن تلك منطقة نفوذ حيوية لا يمكن قبول موطئ قدم لغيرها فيها. ونتيجة لذلك، كانت أميركا اللاتينية والكاريبي دوما مسرحا لأسوأ ممارسات السياسة الأميركية من الاغتيالات لقلب نظم الحكم المنتخبة لمساعدة الديكتاتوريات بالسلاح والمال ضد المعارضين.

ثم أن أميركا اللاتينية ربما بسبب قربها الجغرافي هي من أكثر مناطق العالم التي يظهر في سياسة أميركا تجاهها الدور النافذ للكثير من جماعات المصالح القوية. فمن لوبي السلاح للوبي المزارعين ومن اتحادات العمال إلى الجماعات المناهضة لحقوق المهاجرين، تمس السياسة الأميركية تجاه دول القارة المصالح المباشرة لجماعات عدة.

ولا يقل أهمية عن كل ذلك أن أميركا اللاتينية كانت دوما حقلا للتجارب الأميركية بمعنى أن الولايات المتحدة طالما قامت بتجريب مذاهب وتوجهات سياسية في أميركا اللاتينية قبل أن تتبناها على نطاق دولي أوسع. فعلى سبيل المثال كان الرئيس الأميركي روزفلت قد بدأ في الثلاثينات في تطبيق مذهب التعددية الليبرالية في أميركا اللاتينية قبل أن يعممه في سياسته مع باقي دول العالم.

وقد فعل ريجان الشيء نفسه، حيث بدأت عسكرة السياسة الخارجية وتبني فكرة الأحادية أولا في أميركا اللاتينية قبل أن يتم تعميمها. بل إن أميركا جربت النظام المالي المتحرر من القيود في تشيلي قبل أن يتم تطبيقه في الولايات المتحدة نفسها منذ عهد ريجان وأسفر عن الأزمة الاقتصادية الحالية. لكل هذه الأسباب مجتمعة فإذا كان هناك من تحولات جوهرية في سياسة أميركا الخارجية فالأولى أن تظهر في أميركا اللاتينية التي عانت أكثر من غيرها من سياسات الجار العملاق.

ومن هنا تأتي أهمية زيارة أوباما لأميركا اللاتينية وزيارته لعدد من دول القارة على هامش حضوره اجتماع منظمة الدول الأميركية. ومن الواضح أن أوباما يسعى فعلا للتغيير إلا أن الجزء الأهم في إحداث مثل ذلك التغيير يظل في يد غيره.

فقد أرسل أوباما مجموعة من الإشارات الإيجابية. فاستعدادا لزيارة القارة، كتب مقالا نشر قبل وصوله في خمس عشرة صحيفة تصدر في دول مختلفة. والمقال كان في الحقيقة تتويجا لسلسلة من الإجراءات التي اتخذت بهدف رأب الصدع العميق الذي حل بعلاقة الولايات المتحدة بأميركا اللاتينية في عهد بوش.

لكن الأهم من المقال رغم دلالته الرمزية هو الإجراءات التي اتخذت قبل الزيارة. فقد أعلنت إدارة أوباما رفع القيود المفروضة على سفر الأميركيين إلى كوبا وعلى التحويلات المالية التي يرسلها الأميركيون من أصول كوبية لذويهم في الجزيرة.

وهي بادرة لكل دول القارة التي تطالب أميركا لا فقط بتلك الإجراءات وانما برفع الحصار الأميركي المفروض على كوبا منذ عقود أربعة. ولا يقل أهمية عن ذلك أن أميركا اعترفت لأول مرة ببعض المسؤولية عن استمرار الحرب الضروس التي تخوضها المكسيك ضد الجريمة المنظمة وعصابات المخدرات التي راح ضحيتها سبعة آلاف شخص خلال عام واحد.

فقد اعترفت إدارة أوباما بأن جزءا من المسؤولية يقع على عاتق الولايات المتحدة التي فشلت في وقف تدفق السلاح والمال عبر حدودها مع المكسيك إلى تلك العصابات بل واعترفت أيضا بأن أغلبية المخدرات التي تمر عبر المكسيك تستهلك في الولايات المتحدة ذاتها التي هي السوق الأهم لها.

لكن الفارق كبير بين اتخاذ إجراء هنا أوهناك وبين تغيير سياسة أميركا جوهريا. فتلك مسألة ليست في يد الرئيس وحده. فعلى سبيل المثال، يحتاج أوباما لكل أعضاء حزبه في الكونغرس لتمرير مشروعاته فهل هو على استعداد لاستعداء أعضاء ولايتي فلوريدا ونيوجرسي اللتين ينشط فيهما اللوبي المناهض لتطبيع العلاقات مع كوبا؟ وتغيير سياسة أميركا تجاه الحرب الدائرة في المكسيك ضد الجريمة المنظمة يتطلب عددا من التدابير لا يمكن أن تحدث دون موافقة الكونجرس.

بل لعل أضعف الإيمان هو أن يصدق الكونجرس على معاهدة حظر مرور الأسلحة، وهى المعاهدة التي وقعتها أميركا فعلا في عهد كلينتون، كأحد الدول الأعضاء في منظمة الدول الأميركية ولم يصدق عليها الكونجرس حتى الآن، ذلك لأن موضوع السلاح من الموضوعات التي يقف وراءها واحد من أعتى جماعات المصالح الأميركية. باختصار تتطلب تلك التغييرات تعاونا قويا بل والدخول في معارك أكبر.

غير أن الأهم من هذا كله هو أنه من الواضح حتى الآن أن أوباما لم يقدم بخصوص أميركا اللاتينية على إحداث تحول جوهري يفوق تغيير لغة الخطاب واتخاذ إجراءات محدودة التأثير. ولعل ما قاله بشأن دعم الديمقراطية بالقارة يوضح هذا المعنى.

. فقد رفض أوباما انتقاد القرارات غير الديمقراطية التي اتخذتها بعض الحكومات في القارة معتبرا أن تلك مسؤولية شعوبها. إلا أن مثل هذا الخطاب يجوز استخدامه إزاء الدول العربية التي كان سلفه يضغط على نظمها باسم الديمقراطية لكن لا يجوز استخدامه في منطقة عانت فيها الديمقراطية أشد المعاناة من انقلاب أميركا عليها لا الحديث باسمها أو دعمها! ففي أميركا اللاتينية يكون التغيير الحقيقي أن تتعهد واشنطن بأن تكف عن تقويض الديمقراطيات التي لا تعجبها!

كاتبة مصرية

د. منار الشوربجي