في كلمة أمام البرلمان التركي قال أوباما «دعوني أقول هذا في أوضح صورة ممكنة... الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع الإسلام». بهذه الكلمة عبر باراك أوباما عن عهد جديد وعن قطيعة مع ماض أقل ما يمكن القول عنه هو أنه كان معاديا للإسلام والمسلمين تسيطر عليه جملة من الصور النمطية ومن الجهل ومن الحقد والضغينة.
مخاطبة أوباما للعالم الإسلامي من تركيا جاءت لتعبر عن فتح صفحة جديدة بعد ولايتي جورج بوش الابن التي تميزت بالحرب على «الإرهاب» والصراع والصدام مع الإسلام والمسلمين والعرب، بدلا من الحوار والتفاهم. قال أوباما «إننا بحاجة للحوار كي نحل مشكلات العالم». هكذا أعلنها الرئيس أوباما من تركيا، عهدة جديدة للمصالحة بين أميركا والعالم الإسلامي.
خطاب أوباما عكس تحولا في الموقف السياسي الأميركي الذي قد يؤدي إلى تحولات جذرية في النظرة الجيوسياسية الأميركية والغربية تجاه العرب والمسلمين. إن اختيار أوباما لتركيا لإعلان المصالحة مع المسلمين له أكثر من دلالة حيث أن تركيا حليف أطلسي وتسعى جاهدة للحصول على العضوية الأوروبية والاندماج في الغرب.
لتركيا كذلك حدود مع كل من العراق وإيران ودور قوي في إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط حيث انها على اتصال مع الفاعلين الأساسيين في المنطقة كسوريا والسلطة الفلسطينية وحركة «حماس» وقادة إسرائيل الجدد.
أوباما اختار الدبلوماسية واستراتيجية المصالحة مع العالم الإسلامي بدلا من سياسة المواجهة والصدام ولغة الإقصاء والتصنيف القيمي ك«محور الشر»، و«الدول المنبوذة» و«الدول المارقة» وغير ذلك من النعوت والصفات. هل يستطيع أوباما إصلاح ما أفسده بوش وضخامة الضرر الذي لحق بسمعة أميركا ومصداقيتها الأخلاقية.
يعترف أوباما أن هناك أخطاء أُرتكبت في حق المسلمين وأن الحرب على الإرهاب يجب إيقافها كما يجب غلق غوانتانامو وإعادة النظر في محاربة الإرهاب والتعامل مع الإرهابيين.
كما يقر أن أميركا ارتكبت أخطاء في الماضي وهذا لا يعني الاستمرار في هذه الأخطاء وإنما فتح أبواب الحوار والنقاش لإيجاد سبل مشتركة للتعاون والتفاهم. كما يرى الرئيس الأميركي الجديد أن ملاحقة المنظمات الإرهابية يجب أن تكون وفق القانون وأن تلتزم بالإجراءات المعمول بها دوليا.
أما بالنسبة لقضية السلام في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، فيرى أوباما ضرورة النظر إلى المشكلة في إطار كلي وشامل وضرورة تطبيق حل الدولتين. كما أكد الرئيس الأميركي الجديد على الوفاء بالوعود التي قدمها في حملته الانتخابية بتعيينه السناتور الأميركي السابق جورج ميتشل مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط.
أما بالنسبة لإيران، فنلاحظ أن أوباما قد قدم تنازلات كثيرة جدا وهو يستعمل حاليا كل الوسائل والطرق الدبلوماسية للاستماع إلى المسؤولين الإيرانيين واقتراحاتهم لفتح قنوات جديدة للحوار والتفاهم.
بما لا يتيح مجالا للشك، أظهرت الإدارة الأميركية الجديدة اهتماماً بالغاً لقضايا الشرق الأوسط والعلاقة مع العالم الإسلامي وهذا ما نجم عن مقاربة جديدة للتعامل مع مشاكل العرب والمسلمين.
يؤمن الرئيس أوباما أن المشاكل والنزاعات والأزمات وعدم الاستقرار تعود بالدرجة الأولى إلى الأخطاء التي ارتكبتها أميركا في المنطقة والفشل الكبير في القرارات وطرق التعامل ومعالجة المشاكل العديدة وعلى رأسها الإرهاب.
قرارات أوباما هذه لا تجسد في أرض الواقع ولا تكلل بالنجاح إلا من خلال موقف شجاع وصريح بشأن القضية الفلسطينية وما حدث مؤخرا في غزة لا يبعث على التفاؤل خاصة وأن إسرائيل قتلت أطفالا وأبرياء والعالم بأسره يشهد على ذلك.
عبارة قالها وكررها أوباما عدة مرات، «أبراهام لينكولن هو قدوتي وأنني سأسير على خطاه»، للتاريخ أبراهام لينكولن استطاع أن يقضي على العبودية في الولايات المتحدة الأميركية، هل يستطيع أوباما أن ينصف الحق والعدل في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويعيد الابتسامة إلى أطفال فلسطين الأبرياء الذين يحلمون بأرض وبلد مثلهم مثل باقي أطفال العالم. هل تقترن أقوال أوباما بالأفعال؟
وهل يستطيع أن يقنع اللوبي اليهودي في واشنطن والحكومة الإسرائيلية الجديدة في تل أبيب بالحلول السلمية والموضوعية لإرضاء الفلسطينيين وإعطائهم حقهم. هل سينجح أوباما أين فشل أسلافه؟
وهل ستكون لديه الشجاعة الكافية للقول لنتانياهو وليبرمان كفى الاستيطان وكفى «الأبرتايد» في الأراضي المحتلة وأعطوا للفلسطينيين أرضهم وحقهم في العيش كسائر البشر فوق هذه المعمورة.
رسالة أوباما من تركيا واضحة تعبر عن نهج جديد لتفنيد أطروحات الصراع والصدام مع العرب والمسلمين حيث أن العالم اليوم بحاجة إلى الحوار والتفاهم بين الحضارات والديانات من أجل الوئام والتكامل والتعاون والتحالف من أجل مصلحة البشرية جمعاء. أوباما يؤكد على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل بين أميركا والعالم الإسلامي.
وهذا يعني أن الطرف الإسلامي يجب أن يحدد مصلحته المشتركة مع الولايات المتحدة الأميركية ويحدد أولوياته وكيف يتعامل ضمن الآليات والميكانيزمات التي تحكم صناعة القرار في الولايات المتحدة حتى يحقق ما يريد. كما يصر أوباما على الاحترام المتبادل بين دول وشعوب العالم، في استراتيجيته الجديدة لتحسين صورة أميركا في العالم واسترجاع مصداقيتها.
فالمصلحة المشتركة بين أميركا والعالم الإسلامي تتمثل بالدرجة الأولى في استتباب الأمن والأمان والسلام والاستقرار والرفاهية وهذا من خلال تسوية القضية الفلسطينية ومحاربة ظاهرة الإرهاب والقضاء عليها.
وهذا يعني ضرورة الاتفاق على استراتيجيات وطرق وسبل معالجة الإرهاب الدولي. فهناك حاجة ماسة لإعادة النظر في النظام الدولي غير العادل والمجحف في حقوق الدول النامية التي عانت في الماضي من ويلات الاستعمار.
والتي تعاني اليوم من سلطة الآليات السياسية والاقتصادية الدولية الجائرة، وخير دليل على ذلك، الأزمة الاقتصادية العالمية التي تتخبط فيها البشرية جمعاء هذه الأيام. الاحترام المتبادل يجب أن يبنى كذلك على تحديد مفاهيم عديدة كالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير وحرية الصحافة...الخ.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة