إلى أي حد يمكننا الحديث عن التناقضات الصارخة لمؤتمر «دوربان 2»، الذي بدأ أعماله في جنيف أمس على قاعدة، حذف كل ما يتعلق بإسرائيل ووصفها بالعنصرية؟ وإلى أي حد يمكن القول: إن مصداقية الإدارة الأميركية الجديدة على المحك عندما أعلنت مسبقاً عن مقاطعتها للمؤتمر؟.
ثمّة لغز لايريد أحد في المجتمع الدولي أن يخوض في تفسير رموزه، حول ترابط المشروع الاستعماري الغربي لمنطقتنا العربية مع المشروع الاستعماري الصهيوني الذي تحدد منذ وثيقة مؤتمر بنرمان في عام 1905 التي ركزت على تفتيت المنطقة العربية والسيطرة عليها، شعوباً وثروات، ووضع هذا التحالف استراتيجية دائمة للتوجه الغربي في كل ما يتعلق بقضايا المنطقة.
من هنا يمكن القول: إن «دوربان 2» لمكافحة العنصرية، أُريد له أن يدفع «فواتير دوربان 1» الذي حاول إعادة استصدار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3379 لعام 1975 الذي عدّ الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ثم ألغته هذه الهيئة الدولية بشكل غير مسبوق بضغط أميركي ـ غربي ـ صهيوني في عام 1991، مع أن إسرائيل لا تزال ترسخ أمام مرأى ومسمع العالم نظام فصل عنصرياً، هو الأسوأ في تاريخ البشر، منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى الآن.
والاستنفار الصهيوني ـ الغربي لافشال «دوربان 2» قبل انعقاده من خلال إعلانات المقاطعة، والاعتراضات الكثيرة على توجهات المؤتمر، والذرائع الواهية لتسويغ مقاطعته، كل هذا يؤكد دون لبس، أن شيئاً لم يتغير في الاستراتيجية الاستعمارية لمنطقتنا ولحقوقنا، وخاصة الحقوق الفلسطينية، وكرامة الإنسان الفلسطيني، وعلى هذا يمكن فهم مواقف الدول التي قاطعت وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لأن هذه الدول لا تريد أي انتقاد لإسرائيل، ولأنها تعد هذا الانتقاد بمنزلة جريمة لا تغتفر!.
مرة أخرى يمكن القول: إن السياسة الأميركية التي أعلنتها إدارة أوباما تجاه المنطقة قد سقطت في أول امتحان لها عندما قاطعت مؤتمر جنيف وأثبتت للعرب مجدداً أنها لاتستطيع الوقوف على الحياد عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وأن التعهدات التي أطلقتها تجاه الفلسطينيين والعرب بفتح صفحة جديدة تعتمد على العدالة والتوازن، لاتعدو كونها مفرقعات إعلامية دعائية.
إن مقاطعي «دوربان 2» وواضعي الشروط المسبقة له، حددوا بوضوح أنه لا يمكن إدانة إسرائيل وأن جرائمها العنصرية وممارساتها الاحتلالية ستبقى مغطاة وموضع تفهم دول الغرب التي تدّعي الحرص على العدالة وقوانين حقوق الإنسان.
