من يقوم بزيارة اسرائيل عليه ان يقوم بزيارة نصب المحرقة وهو مطاطئ الرأس حزينا لما تجره في ذهنه هذه الزيارة من مشاهد لإحراق الناس في الأفران خلال الحرب العالمية الثانية.

أي ان اسرائيل لا تريد لاحد ان ينسى ما فعله بعض الاوروبيين باليهود. لكن التاريخ اعاد نفسه، والضحية هذه المرة هو فلسطيني والجاني اسرائيلي لا يريد ان يطوي النسيان مأساته التاريخية وفي نفس الوقت يحاول ان يبسط سدول التعتيم على مأساة حاضرة في الاذهان وماثلة للعيان ولا تزال فصولها تتوالى كل يوم ويسقط فيها المزيد من الضحايا من النساء والاطفال في صفوف الشعب الفسلطيني صنعها الاسرائيلي بدعم غربي، فقط لأن هذا الشعب رفض ان ينسى قضيته ويرفض ان يتخلى عن ارضه وحقوقه التاريخية الثابتة.

وهذا التناقض الصارخ هو الذي يوجد مثل هذه الحالة من (الحول) السياسي الذي يصيب أعين الدول الغربية ويدفعها الى مقاطعة مؤتمر مثل مؤتمر مناهضة العنصرية (ديربان 2) الذي افتتح اعماله في جنيف بسويسرا امس وسط صخب وتشويش متعمد وممنهج لحماية الاعتداءات الاسرائيلية، فإذا كان ما تفعله اسرائيل ليس هو العنصرية فما هي العنصرية إذن؟ولا يعقل ان تحتشد كل هذه الاصوات المنددة بعنصرية اسرائيل سواء في مؤتمر ديربان (1) بجنوب افريقيا عام 2001 او في ديربان (2) الذي بدأ اجتماعاته امس في سويسرا، ثم لا يكون للقضية اصل من الصحة فقط لأن مناصري اسرائيل لا يريدون ذلك.

ان مؤتمر العنصرية هو فعالية اممية هدفها ـ فيما نعلم ـ مناهضة العنصرية وفضح اشكالها واماكن ممارستها على خارطة العالم، ودون تمييز، لكن يبدو ان العالم الغربي والدول النافذة على المسرح السياسي العالمي يريدون تحميل العرب والفلسطينيون في مقدمتهم، الى الأبد تبعات جريمة لم يرتكبوها، والتعتيم على اصل المشكلة وهي إنشاء دولة عنصرية لليهود على ارض فلسطين وطرد اهلها الأصليين والتعتيم ايضا على مسلسل الجرائم الاسرائيلية المتواصل، بل وتحقير أي جهد يستهدف إيجاد حل سلمي للصراع على أسس استقر عليها رأي العالم ممثلة في قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس والانسحاب من الاراضي التي احتلت في حرب 1967 وعودة اللاجئين الى غير ذلك من استحقاقات.

وبالمقابل راح انصار اسرائيل الى تسفيه عقائد الآخرين ووصموا الاسلام بالإرهاب واساءوا الى بني الاسلام أيما اساءات واحتلوا دولا إسلامية ودمروا قدراتها وأهانوا شعوبها، ولا تزال هذه المأساة قائمة ولا يزال ضحاياها يتساقطون في عشرات الدول العربية والاسلامية ، ثم حين يلتئم مؤتمر لمناهضة العنصرية يرفض هؤلاء المغرضون أية اشارة الى اسرائيل التي تشكل أقبح اشكال العنصرية الدموية في عالم اليوم.

إن تأكيد بان كي مون الامين العام للامم المتحدة في افتتاح مؤتمر الامس بجنيف على أن معاداة الاسلام هي شكل من اشكال العنصرية جاءت كمحاولة من الامم المتحدة لتعديل اختلال الموازين والتفرقة في المعاملة بين شعوب العالم.

ولكن ذلك بحاجة الى براهين عملية اولها فتح قطاع غزة امام وفود العالم لمشاهدة متحف للممارسات العدوانية الاسرائيلية العنصرية في الهواء الطلق ولا يزال شهود المذبحة بحق الفلسطينيين في القطاع احياء يرزقون وبينهم مون نفسه. وستظل مناسبة (ديربان) تلهب مشاعر البشر حتى تعتدل الموازين ويتساوى البشر امام القانون الدولي.