لن يقدم أو يؤخر مؤتمر مكافحة العنصرية في جنيف، لأنه كأي تظاهرة سياسية تؤمن لها الأمم المتحدة غطاءً دبلوماسياً، ولكنه صوت لا يضيع في الفضاء، والعنصرية موجودة بنسب متفاوتة داخل الإقليم والدولة، والعالم في فصل عرقي وديني وقبلي.
غير أن الوجه الآخر للمؤتمر كشف أن من ينادي بحقوق الإنسان من دول غربية فضلت الانسحاب لأن قوات إسرائيل تتساوى أو تفوق كل الحقوق، بالرغم من اعتراف المؤتمر الأول بالمحرقة النازية، وهنا ليس الخلاف على ما سيحققه المؤتمر أو يفشل به لأن القاسم المشترك في النتيجة يقع على الأمم المتحدة التي أصبحت مجرد منبر يتجادل داخله الضعفاء ويهجره الكبار الأقوياء.
إسرائيل المنتصر الأول لأنها حصلت على التزكية المطلقة بنظافة سياستها وسلوكها، في حين لم تنزع صفة الإرهاب والفاشية من الإسلام ديانة ما يزيد عن مليار إنسان، وتأتي المناداة بالحرية الجنسية وتضمينها المؤتمر وإقرارها مسألة تتجاوز أخلاقيات وتقاليد الأكثرية العالمية، وليست أساسية تتساوى مع الفقر والعزل وقهر الإنسان، ولا تتجاوز حقوق الدول والشعوب من سطوة الاحتكار والاحتلال وتنمية العداوات مع أن في سليقة ومبادئ الإنسان أن موضوع الجنس تنظمه الأديان والقيم يقع في صلب السلوك العام، وحتى الحيوان لديه نوازعه وضوابطه في غرائزه..
في الغرب تجاوز عنصرياته وتثبيت حقوقه، لكن نزعة العنصرية موجودة في صلب تلك المجتمعات حيث لا يتمتع الكثير من المهاجرين ممن كانت بلدانهم مستعمرة بالحقوق المتساوية، وحتى في ملاعب كرة القدم نجد الاستهجان من السود وأصحاب البشرة الملونة ولا تزال "فوبيا" الإسلام قائمة تكرسها منظمات ووسائل إعلام ومع ذلك لم يتم التحقيق معها أو حتى مساءلتها باسم حرية الرأي التي تتمتع بها..
إذن الفصل عنصرياً وثقافياً وحضارياً موجود وتبقى النظرة الدونية للشعوب الأخرى تمتح من مخلفات التاريخ، ولعل الدفاع عن إسرائيل لا يأتي من عداء إسلامي عربي لها وهي التي مارست أسوأ ما في العنصرية من حروب وتشريد مع الفلسطينيين، لكنها الامتداد الروحي والثقافي وجسر الغرب الاستراتيجي أمنياً وعسكرياً في المنطقة..
المؤتمر سينتهي ببيان يثير الجدل مؤقتاً، لكن فاعليته تظل محدودة لأن العملية تبقى اتجاهاً وليست عملاً، وحتى لو حضرت الدول الغربية وتم إقرار كل البنود فالنتيجة واحدة، أي دعوا أصحاب الأصوات العالية يصرخون فالعبرة بمن يملك الفعل وليس الصياح.
ويكفي أن أميركا قوة العالم الأولى دينت في مواقف متعددة، لكن لم يجرؤ أحد على محاسبتها عن احتلال العراق وأفغانستان ولا حروبها مع فيتنام وأميركا الجنوبية، ولم يفتح ملف السجون الثابتة والطائرة ولا من راحوا ضحية مكافحة الإرهاب دون محاكمات مفتوحة ومحايدة..
الموضوع سيبقى جدلياً لكنه لا يتمتع بقابليات التفعيل الحقيقي، لكنها صورة العالم التي تثبت الأيام أنه شرق وغرب وأقوياء وضعفاء..
