السجال العنيف الذي شاهدناها مؤخرا فيما يخص تحرك حزب الله اللبناني في مصر كشف أمامنا مرة أخرى تجليات الوضع القائم في منطقة الشرق الأوسط ككل، وتحديدا الفرز الإيديولوجي الكبير الذي يحكم أداء أصحاب القرار في أكثر من مكان، بل ويحرّك عواطف ومشاعر الرأي العام.
لكن هذا الأمر كشف أيضا سلسلة من الأمور التي قد يكون من المفيد فهمها بعمق ودون أي تحيّز، كي لا نقع في فخ الانتماء الأعمى لهذا الطرف أو ذاك، وكي لا نكون جزءا من الحركة الإعلامية العمياء التي لا حول لنا فيها ولا قوة.
وبغض النظر عن مدى اقتناعنا بوجهة النظر التي يحاول أي طرف من الأطراف تسويقها، فأن ما نشهده من خلال ما تم كشفه في مصر هو واضح في عكسه للفرز الإيديولوجي الذي سبق الحديث عنه.
فمن جهة نرى طرف يؤمن بأولوية الحوار والسلام لتحقيق الغاية المنشودة وقد أثبت ذلك من خلال توقيعه اتفاقية سلام مع إسرائيل وإصراره المبدئي على الالتزام بمبادئها مهما كلّفه ذلك من ثمن.
وفي الجهة الأخرى هناك طرف لا يرى الحلول المنطقية إلا من خلال خيار المقاومة المسلّحة، لاعتقاده بأنه الطريقة الوحيدة القادرة على تحقيق آمال الشعوب المقهورة أو على الأقل التي يمكن من خلالها العبور بشكل مشرف إلى خيار السلام المنشود.
أمامنا إذا خيارين متفاوتين تماما في التوجه والانتماء وإن كان ممثليهما متباعدين بشكل كبير في ما يخص الحجم والتأثير. فالطرف الأول ممثل بمصر، الدولة الإقليمية الكبرى ذات التأثير الاستراتيجي الذي لا يمكن تجاهله، في حين أن الطرف الثاني ممثل بحزب الله، أي تلك الحركة الإيديولوجية الثورية الإسلامية التي تحاول منذ فترة إقناع الرأي العام العربي بنبل أهدافها وسلامة انتماءها، برغم عدم تمكنها حتى الآن من الخروج كلّيا من صبغتها الطائفية المحلية.
ما يعنينا من كل هذا السرد هو أن الطرفين ينتميان لمدرستين مختلفتين وواضحتين في تباعدهما الفكري وطريقة رؤيتهما للأمور، وبالتالي فأنهما مرشحان منذ فترة طويلة لتحقيق التصادم الميداني كلّما سنحت الفرصة لذلك.
وقد جاءت أحداث غزة الأخيرة لتثبت هذا التباعد الفكري من خلال الطريقة التي تبناها كل طرف لمقاربة حالة المعاناة الفلسطينية، لأن ما كان منطقيا لطرف بدا تآمريا للآخر، وما أراد الأول ممارسته لتخفيف حدة المعاناة لم يلق التجاوب من الثاني بسبب رفضه المبدئي لمنطق الحوار والدبلوماسية مع دولة لا يعترف بها أصلا.
الأول كان مصرّا على حماية مكتسباته الكبيرة التي حققها من خلال اتفاقية السلام مع إسرائيل وكذلك على صيانة سيادته ووحدة أراضيه، في حين أصرّ الثاني على سياسة تجييش الرأي العام العربي نصرة لآلام الشعب الفلسطيني، ولم يمنعه شعور الأسى الذي كان يسكن جوارحه في تلك اللحظة حتى من اللعب على وتر التدخل في الشؤون السيادية لمصر.
إذا، وانطلاقا من هذا المفهوم المتجلي أمامنا بكل وضوح، يبدو بأن حادث ضبط ما سمي بخلية حزب الله في مصر ليس سوى جزء بسيط جدا من صورة صراع شاملة ومعقدة يتشارك الطرفان في تركيب فسيفساءها التي تضم وستضم بالتأكيد أطرافا أخرى لا تزال منكفئة عن الصورة الإعلامية حاليا.
ولا يحتاج الأمر لعناء كبير لكي نرى أن الطرفين المتورطين في الصراع الأخير (الذي نأمل أن يبقى إعلاميا لا أن يتمدد إلى فروع أخرى) هما جزء من معسكرين متناقضين كليا في منطقة الشرق الأوسط ككل، إن كان من الناحية الإيديولوجية، أو الفكرية، أو حتى الدبلوماسية.
وهنا قد يكون من المفيد أن لا نُبعد الأطراف الأخرى المهمة والمشاركة في هذا التباين عن صورة النزاع القائم. فهذا سيجعل الرؤية أكثر وضوحا لأنه سيبدد بعض الشكوك حول مشاركتها في رسم الخطط وتنفيذها تحت مسمّيات مختلفة تتّفق هي على اعتبارها ضرورية لتحقيق الأهداف الملحة للقضية الفلسطينية أولا أو تلك المرتبطة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي ثانيا.. فحزب الله لا يخفي بأي شكل من الأشكال ارتباطه الفكري والإيديولوجي والمالي مع إيران الإسلامية، وتعاطفه المرحلي، ولا أقول الاستراتيجي، مع سوريا.
وبالتالي لا أعتقد شخصيا بأن يتجرأ الحزب على توسيع دائرة نشاطه النضالي إلى أبعاد مماثلة دون العودة إلى مرجعيّته الأساسية أو حلفائه في كلا البلدين. بمعنى آخر، فأن ما يعرف بدول معسكر الممانعة مشاركة بكافة تفاصيل ما يجري من محاولات لتمديد خارطة الصراع، أو على الأقل توسيع دائرة المدّ اللوجستي التي يمكن من خلالها التحرك لدعم أطراف هذا المعسكر داخل قطاع غزة أو غيره.
بطبيعة الحال، فأن أطراف المعسكر الآخر المصبوغ بصبغة الاعتدال التي تميّزه هو مضطر للمشاركة في تفاصيل هذا الصراع وإن كان بعض أقطابه لا يريدون تجاوز بعض الخطوط الحمر التي وضعوها بشكل ذاتي تجنبا لمنع نشوء بؤر توتر محدودة داخل دولهم أو أماكن تأثيرهم. فما بات تحت مرمى النيران هو السيادة الوطنية والمس بأمن الدولة، وهذا أمر خطير جدا لا تأخذه مصر لوحدها في وارد الحسبان، بل جميع دول المنطقة دون استثناء.
من هنا تحديدا يمكن قراءة ردة الفعل المصرية العنيفة على ما جرى مؤخرا، فهي لم تكن تستهدف توجيه رسالة واضحة وصارمة إلى حزب الله لوحده، بل أيضاً إلى الأطراف التي تقف خلفه وتؤيده أو على الأقل تبارك ممارساته الميدانية.
وبجميع الأحوال يجب الاعتراف بحق المقاومة بالبحث عن وسائل دعم بأي شكل ممكن. لكن يحق لمصر وكثيرين غيرها أن يتساءلوا مستغربين: إذا كانت دول الممانعة جادة بالفعل في فتح الأنفاق لدعم المقاومة في فلسطين، فلماذا لا تفعل ذلك من أراضيها أيضاً؟
كاتب لبناني
