منذ بداية الاحتلال الأنجلو ـ أميركي للعراق، رفضت الجماعات والشرائح العراقية المختلفة الاحتلال بمختلف الأساليب. كانت الكلمة المعبرة عن الرفض هي الأولى التي انطلقت من حناجر المقاومين والمعارضين للاحتلال.

دوّت عبارة «إخوان سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه» من حناجر الحشود الكبيرة التي خرجت إلى الشارع للتنديد بقدوم الاحتلال. منذ البداية عرف الاحتلال أن الشعب العراقي لا يمكن أن تنطلي عليه أكاذيب وألاعيب وحيل الاحتلال. هذا الأخير جاء غازياً للأرض والحضارة والإنسان وناهباً للمقدّرات والخيرات.

تطوّرت عبارات المقاومة بشكل أكثر تحديداً وتركيزاً وتخصيصاً. خرجت إلى العلن عبارات من مثل «كلا كلا يا محتل»، «اخرج اخرج يا محتل»، «بغداد حرة حرة، أميركا اطلعي برة» وغيرها. هتفت الجماهير الحاشدة في الشوارع والميادين والساحات والأماكن العامة بتلك العبارات، بملء صدورها وأفواهها. هذه العبارات انبثقت من نفس تلك المناطق والتجمعات التي كان الاحتلال أوهم العالم أن أصحابها مرحِّبون بقدوم الاحتلال إلى أرض الرافدين.

أخذ الشعر مكانةً مرموقةً في مقاومة الاحتلال بما له من تأثير خاص في عواطف الناس ووجدانهم وأحاسيسهم. تقاطر الشعراء المقاومون للاحتلال من الشمال والوسط والجنوب ينثرون القصائد الشعرية بالألوان الشعبية والتقليدية والشعر الحر. الشمال المقصود هنا هو المنطقة التي تقطنها أغلبية عرقية كردية.

من هذه المنطقة هنالك الكثير من الكتّاب والشعراء والأدباء المقاومين وغير الراضين عن قدوم الاحتلال واستمراره. شعراء وأدباء الجنوب قبل الوسط لا يرضون أبداً بالاحتلال. لكن بعض القيادات السياسية خُدعت بوعود الاحتلال الشكلية وحاولت، إعلامياً، مصادرة الرفض الشعبي العارم للاحتلال وتحييده.

حقيقةً انقسم الإعلام العراقي الذي انبثق بعد الاحتلال على نفسه. قسم مرحِّب بالاحتلال في البداية قبل أن تنكشف له الأمور ويتحول تدريجياً إلى إعلام رافض ومعاد للاحتلال جملة وتفصيلاً.

القسم الثاني حاول الاستفادة من وجود الاحتلال لتحقيق أهداف وغايات خاصة به، في قسم منها شخصية أو طائفية عرقية ومذهبية. القسم الثالث تبنى أدب المقاومة السياسية والعسكرية للاحتلال بشكل واضح وعلني. بين هذا التوجه والمنهج وذاك نشأت أدبيات تتراوح في نصوصها بين الاعتدال والتشدد في الدعوة لمقاومة الاحتلال باستعمال كافة الوسائل المتاحة.

الكلمة المقاوِمة لا تقل وزناً وفعاليةً عن رصاصة وقذيفة المقاومة في ميدان المواجهة. كل عراقي مهما كان طيفه السياسي يرفض الاحتلال. أوسع طرق الرفض انتشاراً بين الجماهير هي الكلمة المعبرة.

هذه تظهر في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المسموع والمرئي. التجربة أثبتت أنه حتى الذين يخشون من كلمة المقاومة هم حقيقة يخشون من آثار سلبية قد تحل بهم نتيجة مواقفهم المعلنة لصالح الاحتلال. حدثت تلك المواقف في مرحلة من المراحل السابقة خلال ست سنين عجاف من عمر الاحتلال.

عجّت سنين الاحتلال بأعمال البطش والإرهاب والاعتقال والتنكيل، والكذب والضحك على اللحى والذقون. هؤلاء الذين خُدعوا بوعود الاحتلال حقيقةً قد يكونون الأشد رفضاً لوجود ومشاريع الاحتلال.

كما في المقاوَمات الأخرى، كالفلسطينية واللبنانية، للفن الملتزم دور كبير وأساسي في تأجيج روح المقاومة ضد الاحتلال. نار الجماهير المقاوِمة بحاجة إلى رياح، مشبعة بـ «الأوكسجين»، لتأجيج قبسها. تلعب الأغاني الوطنية والقومية والدينية الملتزمة في قيادة الجماهير والأفراد، لاتخاذ مواقف تصب في خانة القوى المناهضة والمقاوِمة للاحتلال.

احتل الفيديوكليب المقاوِم دوراً مميزاً في تبيان وضع المقاومة. في المقابل يحاول الاحتلال طمس حقيقة المقاومة ووجودها بمختلف أساليب التنكر والتشويه.

هنالك بعض القنوات الفضائية الجريئة في قول الحقيقة، مقابل أخرى تغض الطرف عن حقيقة المقاومة لأسباب كثيرة. المشاهد العراقي والعربي والدولي ينتظر بفارغ الصبر سماع ومشاهدة ذلك النوع من الفن المقاوِم. هذا الفن بدوره ينعش في الإنسان الروح قبل أن يسيطر عليها اليأس القادم من أبواق الاحتلال وأتباعه وأعوانه.

دخل الاحتلال الأميركي للعراق عامه السابع وهو يواجه مقاومة شعبية متصاعدة في عموم مناطق العراق، الشمال والوسط والجنوب. يعبر عن ذلك تحوّل معظم وسائل الإعلام، خاصة الفضائيات التي بدأت جميعاً تقريباً تلملم أنفسها وتنحى منحيً مقاوِماً بشكل أو بآخر. الأدب والفن المبثوث على الشاشات خير دليل على ذلك.

الفضائيات التي كانت في البداية منحازةً لصالح الاحتلال، أدخلت في برامجها مواد أدبيةً وفنيةً تعبر عن رفض الاحتلال. تحبذ هذه العودة إلى أساليب المقاومة، ومنها السلمية، للتخلص من الاحتلال. لا عجب في ذلك، فعندما يعود الإنسان إلى ضميره ومعتقده ومذهبه الحقيقي، لا يجد للاحتلال والغزو الخارجي لوطنه فيه مكاناً.

في عموم العراق وعلى الدوام وبشكل مكثف، تُعقد ندوات فكرية مقاوِمة. في تلك الندوات يعلن الشعراء والأدباء والكتّاب والإعلاميون العراقيون مقاومتهم ورفضهم للاحتلال. عشائر وقبائل العراق غنية بالشعراء المقاومين، وهؤلاء لديهم طرق ووسائل كفيلة بإيصال أصواتهم إلى بقية العراقيين والعرب والعالم.

الشعر الشعبي العراقي بعد مجيء الاحتلال ازداد وقوداً ومعاني وقوة تركيز، بسبب ضخامة القضية وعمق وفداحة الحدث على الأنفس. الماعون العراقي الضخم للشعر أُفعم بروح ومعانٍ جديدة، جعلت منها ذخيرة للأجيال القادمة بعد التحرير الذي بات وشيكاً أكثر من أي وقت مضى.

مهما كبرت مشاريع الاحتلال الأميركي ومخططاته ونزواته في المنطقة، فلا خوف على المقاومة العراقية. لدى المقاومة العراقية وعاء لا ينضب من النصوص والقصائد والشعر الغنائي الشعبي، ما يجعل الجماهير تقف على رصيد هائل يبقيها ثابتة متحمسة لفكر ومنهجية المقاومة إلى آخر المدى.

ما بدأ عند قدوم الاحتلال على شكل بضع قصائد وأغان تستعملها المقاومة لشحذ همم المقاتلين، انتهى اليوم إلى مجموعة من الكتب والمجلدات السميكة في الأدب والفن والشعر، المقاوِم لكل منها.

بعد ست سنين من الاحتلال، يجد الأميركي نفسه أمام أرشيف ضخم مفعم بالمعاني المضادة لوجوده على أرض الرافدين، يتم التعبير عنها بأقسى أنواع التعبير. ما حالة الصحفي والإعلامي العراقي منتظر الزيدي إلا واحدة رمزية معبرة، أتت من قوة دفع هذه الأدبيات الطارئة على المشهد العراقي.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae