تعيش مولدافيا، هذا البلد الصغير الواقع بين رومانيا وأوكرانيا أزمة سياسية كبيرة، على إثر الانتخابات التشريعية التي حصلت يوم الأحد 5 أبريل الجاري، وفاز فيها الحزب الشيوعي الحاكم منذ سنة 2001 بنسبة 50 في المئة (50 مقعدا من أصل 101 مقعدا) متفوقا بصورة كبيرة على الحزب الليبرالي الذي حصل على نسبة 12، 78 في المئة من أصوات الناخبين، والحزب الليبرالي الديمقراطي 12، 26 في المئة.

وفي ضوء هذه النتيجة نظمت المعارضة الليبرالية المولدافية التي حصلت على نسبة 35 في المئة في هذه الانتخابات، في العاصمة كيشينيوف يوم الثلاثاء 7 أبريل الجاري، مظاهرات كبيرة، متكونة في غالبيتها من طلاب الجامعات والعاطلين عن العمل والفقراء، الذين استولوا على مقرات البرلمان والقصر الحكومي، وأحرقوا العديد من محتوياتهما، منددين بنتائج الانتخابات، ومطالبين الحزب الشيوعي بالتخلي عن السلطة.

ففي بلد ليس معتادا على مثل هذا النمط من المظاهرات الشعبية، اعتبرت التظاهرات الأخيرة التي قادتها المعارضة الليبرالية بمنزلة «الثورة»، وهذا ما جعل الرئيس المولدافي الشيوعي فلاديمير فورونين يلقي على جارته رومانيا تبعية محاولة لإطاحته، بعدما اقتحم المتظاهرون القصر الرئاسي، ورفعوا أعلام الاتحاد الأوروبي ورومانيا من نافذة مكتبه، ناعتا المتظاهرين ب«الفاشيين الموتورين الذين يحاولن القيام بالانقلاب ضد السلطة».

في عهد الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين، كانت السياسة الخارجية المولدافية تتأرجح بين روسيا والاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن المساندة القوية التي يحظى بها الشيوعيون المولداف من جانب موسكو، تجعل مولدافيا في نظر المراقبين أنها حليف «طبيعي للكرملين»، فإن الواقع هو أعقد من ذلك بكثير.

فالرئيس المولدافي الشيوعي فلاديمير فورونين الذي انتخبته القاعدة الموالية لروسيا سنة 2001، ابتعد عن روسيا، من جراء إقليم بريدنيستر، المستقل عن مولدافيا من جانب واحد عام 1991، والذي تسانده موسكو.

وفي سنة 2003، وتحت ضغط الاتحاد الأوروبي، رفض الرئيس المولدافي في آخر لحظة التوقيع على اتفاق سلام أعدته موسكو، فاقترب كثيرا من الغرب، وأيد انضمام مولدافيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وهكذا، ساند الرئيس المولدافي «الثورات الملونة» التي حصلت في الجمهوريات السوفيتية السابقة: جورجيا سنة 2003، وأوكرانيا سنة 2004، وشكلت وسواساً حقيقيا للسلطات في موسكو، التي انزعجت مؤخرا وبشدة من الاحتجاجات والشعارات والأعلام الرومانية التي استخدمها المتظاهرون المولداف في المظاهرات كغطاء لتقويض الدولة المولدافية.

الأزمة المولدافية تلقي الضوء على العلاقات المعقدة بين هذه الجمهورية الصغيرة وجارتها الغربية رومانيا المنتمية للاتحاد الأوروبي، وهي الدولة الوحيدة التي لم تعترف بنتائج الانتخابات. وتعتبر مولدافيا من أفقر الدول الأوروبية، وكانت جزءا من رومانيا في السابق، ثم ضمها الزعيم الراحل جوزيف ستالين إلى الاتحاد السوفييتي سنة 1940، وحولها إلى جمهورية سوفييتية.

ويبلغ تعداد سكان مولدافيا ؟؟.؟ مليون نسمة، منهم أكثر من 75 في المئة من أصل روماني، إذ إن المولدافيين ينتمون من الناحية القومية إلى الشعب الروماني، ويتكلمون تقريبا اللغة الرومانية عينها. ويحمل ؟.؟

ملايين مولدافي جوازات سفر رومانية، تتيح لهم التنقل والعمل بسهولة في معظم دول الاتحاد الأوروبي تطبيقا لاتفاقية شنجين، حيث تحولت رومانيا البالغ تعداد سكانها 23 مليون نسمة مركز استقطاب لهم منذ أن أصبحت عضوا في الاتحاد الأوروبي.

وتعاني مولدافيا، في الوقت الحاضر من نزيف ديموغرافي، ولاسيما في ظل هجرة حوالي مليون مولدافي بحثا عن العمل في الخارج، أي ما يعادل 25 في المئة من مجموع السكان، ومن التداعيات الخطيرة للأزمة المالية والاقتصادية العالمية. ففي السنة الماضية بلغت تحويلات المهاجرين المولدافيين إلى بلادهم ما يقارب ؟؟.؟ مليار يورو، أي ما يعادل 38 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

المظاهرات الأخيرة التي نظمتها المعارضة الليبرالية الموالية للغرب التي يدغدغها الشعور القومي الروماني، والإحباط من سياسة الاتحاد الأوروبي، وتبعية مولدافيا لروسيا بشأن احتياجاتها من الغاز، عوامل تدفع السلطة الشيوعية في مولدافيا، إلى الارتماء من جديد في أحضان موسكو.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org