تبدأ اليوم في جنيف اعمال مؤتمر 'ديربان 2' المناهض للعنصرية بحضور مئة وخمسين دولة على اقل تقدير، ومقاطعة مجموعة قليلة، من بينها اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية.

اسرائيل كسبت حتى الآن المعركة حتى وهي غير مشاركة رسمياً في هذا المؤتمر، بينما خسرها العرب كعادتهم رغم وجودهم، وتأييد معظم الدول المشاركة لمطالبهم، حيث جرى حذف جميع الاشارات التي تدين اسرائيل وممارساتها العنصرية في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

من المؤسف ان التنازلات جاءت من قبل الوفد الفلسطيني المشارك، والدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي استجابة لضغوط اميركية واوروبية، وعلى امل ان تؤدي التعديلات التي ادخلت على البيان الختامي الى رفع سيف المقاطعة الاميركية والاسرائيلية لاعمال المؤتمر.

رئيس وفد كوبا في المؤتمر والمتحدث باسم دول عدم الانحياز اعترف بان هناك ضغوطاً 'مصطنعة' وتهديدات مستترة حالت دون الاتفاق على بيان ختامي اكثر شمولاً، والسبب في ذلك 'تضحيات' قدمتها الدول العربية، وصفتها السيدة نافي بيلالي مفوضة الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان، بـ'التعاون الممتاز' من جانب الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي، وخاصة الوفد الفلسطيني الذي قرر 'التضحية بقضايا هامة سعياً لتحقيق التوافق والتقدم على مسار برامج مكافحة التمييز'.

هذه التضحيات العربية، والفلسطينية خاصة، لم تقنع الولايات المتحدة واسرائيل ودول اوروبية، مثل هولندا وايطاليا بالتراجع عن قرارها بمقاطعة المؤتمر، مما يكرر المأساة العربية، في ابشع صورها، والمتمثلة في تقديم تنازلات مجانية، ودون الحصول على اي شيء في المقابل.

بين المؤتمر الاول المنعقد في ديربان في جنوب افريقيا والمؤتمر الحالي الذي سيبدأ اعماله اليوم في جنيف، وقعت احداث عديدة أكدت الاهداف السامية لهذا المؤتمر في ضرورة محاربة الانظمة العنصرية ووقف ممارساتها الاجرامية.

ابرزها اقدام اسرائيل على عدوانين، الاول في جنوب لبنان، والثاني على قطاع غزة، حيث ارتكبت في الاثنين جرائم ضد الانسانية واستخدمت اسلحة محرمة دولياً (الفوسفور الابيض).

ولعل مطالبة حكومة نتنياهو الفلسطينيين بالاعتراف باسرائيل دولة يهودية هي ذروة العنصرية، لان هذا يعني ان لا مكان لخمس سكان هذه الدولة من العرب في هذه الدولة، لانهم لا يدينون باليهودية، ولا عودة لاكثر من ستة ملايين فلسطين طردوا منها ويعيشون حالياً في المنافي ومخيمات اللجوء.

اسرائيل يجب ان تطرد من المؤتمر، لا ان يسمح لها بمقاطعته، تماماً مثلما كان الحال مع النظام العنصري في جنوب افريقيا، لان هذه الدولة تمارس ابشع انواع التمييز ضد الفلسطينيين، ولم يجاف الاب دزموند توتو القس الجنوب افريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام الحقيقة،عندما قال بعد زيارته للارض المحتلة بان ما تمارسه اسرائيل من عنصرية ضد الفلسطينيين يفوق ما مارسه النظام العنصري الأبيض في جنوب افريقيا بمراحل عديدة.

الآن وبعد ان فشلت التنازلات العربية والفلسطينية في رفع 'الفيتو' الاميركي على المؤتمر، وامتناع الولايات المتحدة واسرائيل ودول اوروبية عن المشاركة، فان الجهود العربية والاسلامية يجب ان تتكثف من اجل اعادة الفقرات التي حذفت من مشروع البيان الختامي، وتدين اسرائيل بالاسم كدولة تمارس التمييز العنصري وترتكب الجرائم والمجازر في حق الفلسطينيين والعرب.

فهذا هو الأمر الوحيد الذي يجعل هؤلاء، اي العرب والفلسطينيين خاصة، يكفرون عن تنازلاتهم المخجلة لاسرائيل واميركا من اجل استجداء حضورهما لهذا المؤتمر وجلساته.