ليس كل من ينتمي إلى مهنة الطب هو طبيب يمارس عمله وفق أخلاقيات هذه المهنة، بل هناك دائماً منتحلون يستغلّون هذه المهنة النبيلة قناعاً للارتزاق وجني الأموال، إما كأطباء محترفين ولكن بالانحراف نحو إجراء العلاجات والعمليات الجراحية المحرمة أو الممنوعة قانونا، وإما كدجالين ومشعوذين يداوون زبائنهم من البلهاء والمعتوهين بالمشعوذات والخرافات بعد أن يغلفوا منتجاتهم وخدماتهم بالدين أو بالطب الشعبي أو بالخوارق التي يستعينون فيها بالسحر والجان.
ولكن هذا الخداع والشعوذة أو الدجل المهني لم يعد حكرا على الطب، لأن سمة العصر كما يبدو أن لا تنجو مهنة واحدة في الحياة العملية من الأدعياء ولاسيما في الدول الأكثر تخلفا، وكلما كان حجم الطلب ـ بلغة الاقتصاد ـ على خدمات تلك المهنة عاليا، كلما كان سوق أولئك المنتحلين والمحتالين أكثر رواجا؛ ففي مهنة التعليم هناك دخلاء ومرتزقة ينخرطون فيها للمتاجرة بضمائرهم وتسويق خدماتهم لتقديم الدروس الخصوصية، أو بيع الامتحانات أو تزوير الدرجات.
أو ربما لترويج الرذيلة بين الطلبة ولاسيما في أوساط الجنس الناعم الأكثر قابلية للإفساد والإتلاف؛ وفي مهنة القضاء هناك قضاة مرتشون وجائرون ومتلاعبون بميزان العدالة وفق مقتضيات المصلحة الشخصية أو الأوامر السامية؛ بل إن هنالك سياسيين لم تنطوِ ضمائرهم وأولوياتهم واهتماماتهم على ذرة من هموم شعوبهم وآمالها وأحلامها، بقدر ما كانوا يلهثون وراء مصالحهم وطموحاتهم وأطماعهم الشخصية، سواء أكانت أمجادا سياسية ولو ببيع قضايا الدولة، أم كانت غايات شهوانية يتحول مجرى المال العام بسببها من أبسط مقومات المجتمع إلى ألوان المترفات والملذات الشخصية.
ولأن الإدارة كمهنة لم يتزايد الطلب أو الإقبال عليها إلا حديثا مع تشكّل المبادئ العلمية لهذه المهنة، ومن هنا فإنها لم تندرج تحت قائمة المهن المصابة بآفة الدجل إلا حديثا، ولعل الأزمات والفضائح والجرائم كانت دائما هي صاحبة الفضل في كشف الكثير من المستور وراء بريق الوظائف القيادية والإدارية العليا، لأن قوة الإشعاعات الصادرة عن «الكاريزما» أو وجاهة الكرسي أو الهالة الإعلامية المنبعثة من تركيز شحنات الإضاءة، كانت تعمل على إخفاء معالم البقع السوداء والداكنة للعيوب المهنية والأخلاقية والسلوكية المحيطة بذلك «المدير» أو الـ «سي إي أو» أو ربما «الوزير» في بعض الأحيان.
أو تعمل على أن تجعله يبدو للرأي العام وكأنه أكبر من حجمه الحقيقي بمئات المرات، وتعينه بالتالي على تمرير شعوذاته الإدارية وأساليبه الدجلية على المستهلكين والمتعاملين أو على مجالس الإدارات والجمعيات العمومية أو حتى على الأجهزة الحكومية والرقابية، بل والإيحاء لهم بأن المؤسسة التي يديرها ستنهار إذا لم يتربع على قمة هرمها التنظيمي.
لقد كان أسلوب الإدارة من فوق حصان السلطة السياسية واحدا من تلك الخِدع الأكثر فاعلية، فبواسطته يمرر المدير أو القيادي المشعوذ كل قراراته ويضمن الحصول على النتائج التي يرمي إليها من خلال امتطاء ذلك الحصان المرعب، لأن تلك القرارات تصبح في هذه الحالة هي قرارات السلطة، ولو لم تكن السلطة على علم أو دراية بها، بل قد لا تكون راضية عنها، ولكن من يستطيع أن يصل إلى السلطة ليسألها عن صحة هذه القرارات أو زيفها؟
وعندما تأتي النتائج إيجابية هنا يجيّرها المدير لصالحه أمام رؤسائه، أما إذا جاءت النتائج وخيمة أو تسببت في أزمة فإن السلطة هي التي تتحمل أوزارها أمام الرأي العام، وإن وجدت مساءلة عن الأخطاء فلن يعجزه أن يجد من بين مساعديه أكباشا للفداء.
ويعتبر أسلوب تمويه العيب المهني أو القصور الناتج عن عدم امتلاك المدير أو القيادي المشعوذ المؤهل العلمي والخبرة العملية في الإدارة واحدا من تلك الأساليب الناجحة، وتتم عملية التمويه بتطويق نفسه بحشد من المستشارين والخبراء، ولأنه معرفته ومهاراته الإدارية ضحلة أساسا فإنه يجيء بأنصاف المستشارين والخبراء وربما المنتحلين والمخادعين أمثاله.
وفي كثير من الأحيان يواكب هذا الأسلوب أسلوب آخر يتمثل في خفة اليد والحركات البهلوانية من أجل سرقة الأفكار من جيوب الآخرين وعقولهم، ثم إبهار الجمهور بتلك الأفكار لكونها تخرج من جعبته هو، فالجمهور بالتأكيد لا يملك القدرة على معرفة السارق والمسروق.
ويأتي التضليل الإعلامي كواحد من تلك المشعوذات الإدارية والأساليب الملتوية، فالتصريحات النارية الصحافية أو المتلفزة المزركشة بالفن والإثارة الإعلامية، تحوّل الأكاذيب والمغالطات التي يتفوه بها المدير المشعوذ إلى قواعد وسياسات إصلاحية، ومسلمات تحرك مجريات الأعمال في القطاع الذي ينتمي إليه، مع أن ما في تصريحاته وآرائه وأفكاره من المغالطات تتهافت وتتبخر فور محاكمتها إلى الأصول والقواعد والنظريات العلمية، أو عند محاكاتها مع الواقع أو مع النتائج والبيانات التاريخية.
هناك أيضا أسلوب إطلاق الشعارات الإدارية الرنانة من نوع «الباب المفتوح» و«المستهلك على حق» و«خدمة المجتمع»، ولو كان التطبيق العملي لها أبوابا أو ربما عقليات غير قابلة للفتح إلا لمزيد من البيروقراطية أو التسيّب؛ والمستهلك على حق في اعتقاده بأنه لن يحصل على الخدمة التي يريدها؛ وخدمة المجتمع بتخليصه من مدخراته عن طريق تحويلها إلى رسوم وضرائب رسمية.
من الحيل المثيرة، تلك الحيلة التي يستعين فيها هذا المدير أو القيادي المشعوذ في تمرير ألاعيبه وشطارته بفريق من المشعوذين المستأجَرين، هنا يجري التلاعب بالتقارير والنتائج والإحصاءات المالية والمحاسبية والإدارية، أو استعراضها بطريقة غامضة ومعقدة، أو تلفيقها أو إظهارها بعكس حقيقتها باستخدام الأصول المهنية الاستثنائية أو المستبدلة بأخرى أكثر دقة منها، وبرمجة صاحب القرار لا إراديا لاتخاذ القرار الذي يجعل من ذلك المدير أو القيادي المشعوذ عبقري زمانه، أو يعفيه من مسؤولية الأخطاء المرتكبة.
لقد اعتقد كثير من المحللين والمفكرين الإداريين أن الخلل هنا يكمن في التيارات التي تحكم البيئة التي «يعيش» فيها هذا المدير أو القيادي، وفي السلوك العام أو التراث الثقافي المفروض عليه من قبل الأطراف التي يتعامل معها، ولكن النهايات المؤسفة التي آل إليها أمر أولئك المدراء والقياديين كأشخاص.
أو انتهت إليها مؤسساتهم كخلايا إنتاجية في الاقتصاد القومي، كشفت كيف أنهم لا يأبهون بأخلاقيات المهنة لأنهم يرونها ترفا إداريا يقتات من ورائه خبراء هذا الفن؛ كما كشفت أيضا كيف كان هؤلاء يلقون بالممارسات والتطبيقات الإدارية العلمية والمنهجية إلى سلة المهملات لأنهم لا يفهمونها أو لأنهم لا يؤمنون بأهميتها، بل يستبدلون بها الألاعيب والحيل والمشعوذات وخفة اليد و«الذكاء» و«الشطارة» و«الشيطنة الإدارية».
وعندما كانوا يتبجحون بالتخطيط والتنظيم الإداري والاستراتيجي، لم يكن هذا التخطيط يجري في بيئة منهجية وموضوعية، ولم يكن يأخذ مداه الطبيعي إلى نهاية المطاف، بل كان يتعرض إلى نوع من «الانعطاف» أو «الانحراف» ولاسيما في الأجزاء التي تتطلب إعادة الهيكلة وإحداث التغييرات الدراماتيكية في المؤسسة، لأنها تغييرات قد تطير برأس ذلك المدير «الشاطر» وأعوانه، فيبادر إلى تطيير رأس الخطة أو قصقصة أجنحتها.
وكما أن المرضى الذين يعالجهم دجالون يكون مصيرهم العجز، وأن الطلبة الذين يعلّمهم مرتزقة مصيرهم الجهل، وأن المتقاضين الذين يتحاكمون عند مرتشين مصيرهم الظلم، وأن الشعوب التي يسوسها منتفعون مصيرها التخلف؛ فإن المجتمعات التي يدير مؤسساتها مشعوذون لن يكون مصيرها إلا العجز والجهل والظلم والتخلف وزيادة عليها الفساد.
كاتب إماراتي