ليس «سكاشفيلي» في جورجيا، ولا «يوشينكو» في أوكرانيا، ولا توبولنيك في تشيكيا، الذين جاءوا إلى السلطة طبقا لنظرية «الفوضي الخلاقة» عبر الانتفاضات الملونة، ولا «كرزاي» في أفغانستان ولا أمثال «الجلبي» في العراق، هو وحده من أصبح مرفوضا من شعبه ومطلوب تغييره بعد أن أصبح نظامه في مأزق مع مصالح شعبه.
وبعد أن وضع بلاده في مأزق سياسي مع مصالح محيطه الإقليمي، وبعد أن أصبح أمثال هؤلاء عبئا ليس على بلادهم أو أقاليمهم فقط وإنما على الإدارة الأميركية الجديدة بعد التغييرات السياسية الأميركية الجديدة السائرة تدريجيا نحو «التغيير»..
بل إن هذا المأزق يعانيه الآن كل من وصل للسلطة في بلاده في أي منطقة من العالم، عبر الدبابة الأميركية بالغزو العسكري والاحتلال المباشر، أو بالدعم السياسي والمالي والإعلامي عبر أسلوب الفوضي غير البناءة.
ويعانيه أيضا كل نظام يعتمد في بقائه في السلطة على رضا الخارج وليس على رضا شعبه، وتولت الإدارة الأميركية السابقة توظيفه لخدمة أجندتها العالمية، تحت حماية المظلة الأميركية «البوشية»، هم جميعا الآن في مأزق صعب أمام شعوبهم أولا وأمام دول إقليمهم ثانيا وأمام الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة الرئيس «باراك أوباما» التي أعلنت القطيعة مع سياسات إدارة «جورج بوش» الفاشلة أخيرا.
هؤلاء الذين كانوا يعتبرون أنفسهم حلفاء أو أصدقاء لإدارة بوش بينما كان ينظر إليهم ويتعامل معهم ويملي عليهم باستعلاء وغطرسة ما يلزم أن يتخذوه من سياسات خارجية بل وداخلية، وما لا يلزم، ومن عليهم مخاصمته والقطيعة معه لعزله وحصاره، أوالضغط عليه لكسر إرادته أو مهاجمته والحرب عليه، تبعا لخريطة سياساته للهيمنة على العالم وطبقا لأجندة «المحافظين الجدد» الذين يمثلون اليمين المسيحي المتصهين في واشنطن، والذي رسم سياساته بدعم إسرائيل باعتبارها عصاهم الغليظة فيما يسمى بالشرق الأوسط، والعداء للعرب والمسلمين وشن الحرب عليهم بوصمهم بالإرهاب، وتحجيم روسيا ومحاصرة الصين.
يبدو أن الأسلوب الذي وصل فيه الرئيس المأزوم ميخائيل سكاشفيلي إلى السلطة في جمهورية جورجيا السوفييتية السابقة انقلابا على نظام الرئيس السابق «إدوارد شيفرنادزة» ومزايدة عليه في الولاء للسياسة الأميركية البوشية السابقة، وللتحالف مع حلف الناتو ضد روسيا هو نفسه الأسلوب الذي يصدع الآن نظام حكمه ويحاصره بالمظاهرات في القصر الرئاسي مطالبة له بالتنحي.
فبينما توقفت المظاهرات الشعبية الألفية حول القصر الرئاسي في تبليسي مؤقتا بعد استمرارها على مدى أيام ثلاثة حذر زعيم المعارضة الجورجية «ديفيد جامكريلدزه» من استمرار المظاهرات، حيث تتهم المعارضة سكاشفيلي باحتكار السلطة وانتهاج أسلوب غير ديمقراطي وتوريط جورجيا في الحرب مع روسيا العام الماضي لخدمة المصالح الأميركية وغير الجورجية في جورجيا كما حذر من احتمال نشوب أعمال عنف إذا استمر سكاشفيلي في رفض الانصياع للمطالبة الشعبية باستقالته، وحتى يرضخ الرئيس لإرادة الشعب الجورجي.
وينظر إلى سكاشفيلي على أنه كان حليفاً وثيقاً للإدارة الأميركية السابقة، وهي علاقة يرى مراقبون أنها شجعته الصيف الماضي على اجتياح أوسيتيا الجنوبية، وما تبع ذلك من حرب استمرت خمسة أيام مع روسيا منيت فيها جورجيا بهزيمة قاسية خسرت فيها بإعلان جمهوريتي «أوسيتيا الجنوبية»، و«أبخازيا» الاستقلال عن جورجيا.. ولم تنفعه أميركا ولا حلف الناتو ليدفع سكاشفيلي ثمن «اللعب مع الكبار»!