التحذيرات ـ التهديدات العسكرية التي تسرّبها إسرائيل، بين الحين والآخر، إلى الصحف؛ تكون وظيفتها، عادة، مرتبطة إما بتوقيتها وإما بخطوة قادمة؛ تكون تل أبيب في صدد التمهيد لها. الوظيفة الأولى، تتنوّع بين النيّة في الإرباك وبين الرغبة في التخريب وخلط الأوراق والأولويات. الثانية، تتراوح بين الإعداد لضربة عسكرية وبين استخدامها للابتزاز والتملّص.
ما نسبته جريدة التايمز اللندنية لمسؤول عسكري إسرائيلي، في عدد أمس الأول؛ يندرج في إطار الاثنين، مع الترجيح لكفة الأولى. خطورة ما قاله تستدعي التوقف عندها، بقدر ما تستدعي التحرك من جانب واشنطن للجم حكومة نتانياهو؛ بصرف النظر عن الغاية من وراء تصريح المسؤول، الذي لا شك أنه لم يتبرع به من غير إيحاء سياسي رسمي.
يقول المصدر، حسب الصحيفة، «إن القوات الإسرائيلية يمكنها ضرب إيران، في غضون أيام قليلة أو حتى ساعات، عندما تتلقى الضوء الأخضر»، لهذه المهمة. ويضيف، «إن إسرائيل تجري الاستعدادات على جميع المستويات، لهذا الاحتمال. والرسالة هنا أن هذا التهديد ليس بالكلام فقط». في ظاهره، هي أشبه بإنذار أخير بالحرب. ويأتي في لحظة، شهد خلالها الخطاب الأميركي ـ الإيراني، المتبادل، ليونة ملحوظة. المفردات والإشارات، على الخطين؛ كانت ولا تزال، غير مسبوقة.
ويشقّ هذا التطور طريقه، عشية وصول المبعوث الأميركي الخاص المكلف بالملف الإيراني، دينيس روس، إلى المنطقة؛ لأول مرة. المؤكد، أن مثل هذه النغمة، بين العاصمتين، لا تطيق إسرائيل سماعها. حتى ولو كانت اختبارية وغير مضمونة النتائج.
من ناحية أخرى، ليس صدفة أن يتزامن هذا التلويح العسكري مع جولة ميتشل في المنطقة. خاصة وأن حكومة نتانياهو لم يرق لها ما سمعته من المبعوث. خطابه عن «الدولتين»، واعتبار أن ذلك هو «الحلّ الوحيد»؛ يزعجها حتى مجرد التداول به، كشعار. توقيت الرسالة الحربية الإسرائيلية هذه، ينطق بغاياته.
فهي محاولة لضرب عصفورين بحجر: نسف مبدأ الدولتين ومعها المفاوضات؛ وذلك من خلال تقديم الملف الإيراني على الملف الفلسطيني وفرضه كأولوية. ثانياً العمل على نسف إمكانيات الحوار، ناهيك بالتفاهم الأميركي ـ الإيراني؛ من خلال التصعيد والتهديد.
إسرائيل لا تقوى على اتخاذ قرار استراتيجي بحجم ضرب إيران؛ من دون موافقة واشنطن. لكن الجنون العنصري الإسرائيلي قد يكسر القاعدة. على الأقل، قد يقوم بخطوة عسكرية ما في المنطقة؛ تكفل فرض أولوياته. التلويح ـ التهديد، موجّه لإيران. لكن رسالته موجهة أيضاً إلى إدارة أوباما. نموذج آخر من التحدّي الإسرائيلي، على الرئيس الأميركي مواجهته بسرعة وحسم؛ إذا ما كان فعلاً في وارد التغيير الحقيقي في المنطقة.
