كان المشككون في سلامة وضعنا المالي أكثر من المتفائلين والسبب أن الأزمة شملت كل دول العالم ولم يسلم منها أي بلد أو مؤسسة مالية، وأن من المستحيل استثناءنا من الورطة طالما ارتباطنا بالعالم قائم ومتداخل في العديد من المعاملات والاتفاقات..

الواقع، وكما أشارت وزارة المالية، ومؤسسة النقد، أننا بالفعل بمنأى عن الحدث، ثم جاء إحجام البنوك عن الإقراض، فأثار هذا شكوكاً جديدة بأن ما صرَّحت به أجهزة الدولة، كشفته البنوك والمصارف، ومع ذلك، وبعد التدقيق بدأت الشكوك تزول وطبيعي أن حساسية الجوانب المالية والاقتصادية تتأثر بشكل سريع بأي إشاعة، أو حتى ربع حقيقة، وهنا تصبح عودة اليقين معقدة إلا في أحوال يصدقها كل مواطن وتؤكد عليها تقارير دولية خارجية، وهو ما حدث عندما تتالت الأخبار من العديد من المصادر تصادق على ما قالته وصرَّحت به الدولة..

قد يكون التأثير على أشخاص ومؤسسات أهلية قائماً، لأن المفاجأة لم تكن تدور حتى في ذهن أبرع الاختصاصيين والخبراء بشؤون المال، غير أن الأمر حدث فكانت الصدمة، وجاءت الخسائر فادحة حين انهارت قوى مالية ظل الجميع يعتقد بحصانتها وبعدها عن أي مؤثر..

وإذا كان العالم يريد التغيير وفق أسس أكثر انضباطاً وأن مدارس جديدة قد تبرز في الواجهات القادمة، فإن الموضوع يحتاج إلى تعاون دولي يرسم خططه وفق معايير وتقديرات غير الفلسفة المالية التي كانت سائدة، وحتى الذين يقولون بزوال الرأسمالية وعودة الاشتراكية أو من بدأ يفتش بالنهج الإسلامي وغير الربوي كبديل منطقي، فإن كل هذه الحالات لا بد أن تغير من المعطى العام إلى اتجاه يوفر الحماية للمال العالمي..

المملكة قد تكون محافظة في اتجاهاتها المالية، وكان يؤخذ عليها أنها ليست شجاعة في مواقفها من خلال تسارع المعاملات المالية بين الدول والمؤسسات وأنها فوتت فرصاً كبيرة عليها، إلا أن حدوث الأزمة وتتالي الصدمات أثبت أن تحفظها كان منطقياً استطاع أن يقرأ الظروف وفق رؤية متقدمة..

الآن وقد زال الكثير من الشكوك وبدأت المسيرة تتجه إلى الثقة لا بد من فهم طبيعي للأزمة وتداعياتها، وكيف نقرأ ما يجري حولنا، ومن الناحية الأخرى أن لا نكسر التفاؤل بالتشاؤم، لأن عودة البنوك إلى الإقراض وتحسن أوضاعها في الربع الأول من العام يؤكد أن الاتجاه القائم يبنى على تقديرات إيجابية وحتى الدولة عندما تتعامل مع هذا الجانب بالدعم وتخفيف الإجراءات وإعطاء مساحات كبيرة للمرونة، تبقى غايتها أن لا تتأثر بنوكها ومؤسساتها بالأزمة..

نحن الآن في معركة التجاذبات الدولية ولعل الذين حاولوا دفعنا إلى تعزيز جوانب مؤسساتهم وبنوكهم، وبمغريات غير منطقية وجدوا تحفظنا قائماً وأن أموالنا ستوظف داخل مكانها ولا تقبل رحلة المخاطرة، وحتى الذين حاولوا إثارة العديد من الشكوك بدفع المملكة مبالغ مالية كبيرة، كذبتها الدولة ومع ذلك فالرهان الآن على من ينجح بتصرفه وإجراءاته..