من أقصي المغرب العربي بدأ المبعوث الأميركي جورج ميتشيل جولته الحالية في المنطقة.. ربما ليستمد بعض الدعم لمهمته الصعبة من دولتين عربيتين كبيرتين، إحداهما واكبت منذ البداية كل الاتصالات بين إسرائيل والعرب ولعبت أدواراً للوساطة واحتفظت دائماً بعلاقاتها الوثيقة باركان الحكم في إسرائيل، في نفس الوقت الذي كانت ـ ومازالت ـ ترأس لجنة القدس في المؤتمر الإسلامي التي لم تستطع أن تفعل شيئاً للقدس أمام هجمة التهويد.
وربما أيضا كان المبعوث الأميركي حريصاً على التذكير ـ والكلام للجارين الشقيقين المتنازعين المغرب والجزائر ـ بأن مهمته تشمل «محاولة لتسوية النزاعات الكبرى في الشرق الأوسط كافة» ضمن صيغة سلام شامل للمنطقة كلها.
يأتي المبعوث الأميركي هذه المرة وسط مناخ متغير حتى عن زيارته السابقة بفعل تسارع الأحداث. فبعد الاتجاه الأميركي إلى نشر التهدئة في المنطقة لخلق الظروف الملائمة لتحقيق الانسحاب الأميركي من العراق، هاهو أوباما خلال فترة قصيرة يمد جسور التفاهم مع حلفائه في أوروبا، ثم يحقق اختراقاً مهماً بزيارته لتركيا وتأكيده على انه لا خصومة مع الإسلام بل سعي مشترك لمحاصرة التطرف وتدعيم التعاون الذي يحترم فيه كل طرف خصوصيات الطرف الآخر.
ثم هاهي الإدارة الأميركية تقطع خطوات هامة على طرق التفاوض مع إيران وتقدم تنازلات هامة آخرها الحديث عن السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم في إطار الاتفاق المطلوب للحصول على الدعم الكامل من طهران لتسهيل الانسحاب الأميركي من العراق، ثم للتعامل مع الأوضاع الصعبة في أفغانستان وباكستان والتي أصبحت محور سياسة أوباما في المنطقة.
ويأتي المبعوث الأميركي مسلحاً بتأكيد الرئيس أوباما على أولوية العمل على حل الصراع العربي الإسرائيلي بالنسبة له، وعلي تمسكه بحل الدولتين أمام حكومة إسرائيلية جديدة ترفض هذا الحل ويمضي الخلاف بينها وبين الإدارة الأميركية على طريق التصاعد بعد كشف حكومة نتنياهو ـ ليبرمان عن مخططاتها للمضي في عملية الاستيطان وهدم منازل الفلسطينيين، وإعلانها على لسان وزير خارجيتها وبكل الوضوح الممكن.. أن عملية السلام قد ماتت وانتهى أمرها!!
هذه العوامل كانت كفيلة باستنفار كل عوامل القوة لدي العرب، والتوحد حول خطة عمل كان ينبغي أن تكون جاهزة لاستعادة زمام المبادرة والاستفادة من التغييرات الأساسية في مواقف كافة الأطراف. لم يكن التغيير في المواقف الأميركية مستبعداً منذ صعود نجم أوباما ثم فوزه الانتخابات ببرنامج يتقاطع مع برنامج الرئيس السابق بوش تقاطعاً كاملا.
ولم يأت صعود اليمين في إسرائيل بين يوم وليلة بل كان هو الاحتمال الأرجح حتى مع خطيئة حكومة «كاديما» بالعدوان على غزة لإنقاذ موقفها. ولم يكن سير العلاقات بين واشنطن وطهران من نقطة المواجهة الملتهبة إلى نقطة التفاوض على أرضية المصالح المشتركة احتمالاً مستبعداً من البداية، وقد أشرنا إليه هنا في عز التهاب الصراع ورجحنا حدوثه.. ومع ذلك يدهشك أن يبدو العالم العربي وكأنه في حالة مفاجأة دائمة مما يحدث حوله!!
وكأنه تعود على طول الغياب عن الفعل الحقيقي، أو كأنه يقرأ الأحداث على أرضية الأمنيات وليس الواقع، أو كأنه يستمتع بحروبه الداخلية وينتظر الحلول على أيدي الآخرين!!
تحت ضغط الرأي العام واستشعاراً للخطر بدأ العرب جهوداً للمصالحة كنا ـ ومازلنا ـ نرى أنها لن تكون فاعلة إلا إذا تخطت المعتاد من العناق والمجاملات لتتبنى استراتيجيات حقيقية للمواجهة ولحماية الأمن القومي العربي.. ولكننا بدلا من ذلك نرى واقعاً يدعو للأسف ويدعو العدو الإسرائيلي للتعبير عن بهجته، ويدعو القوى الإقليمية إلى استمرار استباحة الساحة العربية مادام الغياب العربي مستمراً.
مساعي المصالحة الفلسطينية انتهت إلى حائط مسدود رغم كل الجهود المصرية. وأصبحت غاية المراد أن تبقى الأوضاع على ما هي عليه وأن تكون هناك لجنة للتنسيق بين حكومتي رام الله وغزة، ولم يعد أحد يعرف هل ستتواصل الجهود المصرية بعد الأحداث الأخيرة وموقف حماس من قضية حزب الله في مصر..
هذه القضية التي ستترك أثرها بلا شك على احتمالات المصالحة بين دمشق والقاهرة التي ستزداد صعوبة، وتحالفات الأطراف العربية مع الأطراف الإقليمية والخارجية على حالها، والرهانات مازالت قائمة على أن انتصار هذا الحليف أو ذاك ستصب في المصلحة العربية. ولا أحد يريد أن يتعلم دروس التاريخ التي تقول إنه بدون اتفاق عربي على نظام للأمن القومي وعلى استراتيجية واحدة لمواجهة التحديات، فإن الخسارة محققه وفي كل الأحوال وبالنسبة للجميع.
لا أوباما سيظل للأبد في انتظار أن نحل خلافاتنا التي لا تحل، ولا إسرائيل ستضيع الفرصة لتهرب من مأزقها وتواصل جرائمها، ولا إيران أو تركيا أو الواق واق ستضحي بمصالحها من أجل عرب لا يعرفون مصالحهم ولا يحسنون إلا انتظار المعجزات التي لا تجيء، لان المعجزة الحقيقية هي تلك التي يصنعونها حين يخرجون من حالة الغياب والانقسام ويمسكون مستقبلهم بأيديهم ويملكون قراراً عربياً واحداً بمواجهة التحديات.. وإلى أن يتحقق ذلك فليس أمامهم إلا فرص ضائعة وانتظار دائم للأسوأ، وفي أحسن الأحوال يمضون خطوة للأمام ثم خطوتين للخلف !!
كاتب صحافي مصري
