المتميّز والمدهش والخارق والأكبر والأهم والمنقطع النظير، والعشرات من أخوات (أفعل التفضيل)، هي الأحلى والأوسع والأكثر استعمالا في كتاباتنا، بغض النظر عن قيمتها الحقيقية ووجودها الواقعي، حتى كأن القبول بواقع الحال لا يكفي ولا يُفيد، بل ربما يحرج، وإذن فلا بد من التفضيل والتوكيد على الأفضلية، وإعادة التوكيد الذي يفصح عن عقدة نقص في الإحساس في تأخرنا عن الدنيا ومن فيها؛ وأن الاستعانة بعائلة (أفعل التفضيل) والتشديد عليها، يعزز دعوانا وينقلها من ضجيج اللغة إلى الواقع.

أذكر من قراءاتي الأولى، قبل نصف قرن، تفسيرا لإبراهيم عبدالقادر المازني الشاعر والكاتب الساخر اللامع في بدايات القرن العشرين، عن أسلوب التوكيد وإعادة بناء الجملة عند طه حسين (وهذا رأيه، كما أتذكر)، بسبب كون طه حسين أعمى، فهو لا يطمئن إلى وصول فكرته بدقّة، فيعيد توكيدها.

على أن واقعنا لا يستقيم دون هذه المبالغات التي ألف الناس التعامل معها، ورأوا فيها ما ينسجم مع تطلعاتهم وأوهامهم ونزعتهم الاستعلائية والطمع في تسجيل أعلى المستويات في موسوعة غينيس، فهم يتطلعون إليها، وينتظرون المزيد من عوامل الإثارة والتحفيز التي تُحسن القنوات الفضائية تسويقها، ويرتاح إليها المشاهدون؛ فأن يكون النشاط الفلاني جيدا بالفعل، فهذا لا يكفي ما لم يكن (جيدا بشكل غير مسبوق)، أو (متميّزا بشكل استثنائي)! ولا ندري ما الذي سنستعمله من عائلة (أفعل التفضيل ) إذا صادفتنا حالات أكثر تميّزا واستثناء مما نصادفه اليوم!

وقد شاعت في السنوات الأخيرة عبارة (المتميّز)، وصارت تطلق جزافا على أمور لا تخلو من طرافة؛ وقد قرأت يوماً (سدّد اللاعب فلان هدفا متميّزاً)، فلم أعرف وجه الامتياز، وعلى من.

نزعة التفوّق هذه، وكثرة استعمالها، أساسها عدم التفوّق، بل الحسرة عليه، والتطلع إليه والأمل فيه، وإذ تقصر أيدينا عن اقتناصه نروح ننسج عنه الآمال الوهمية، وننفخ في جرابه تعويضا عن الخسارة، ومداراة للهزيمة، حتى تنفجر الفقاعة. الوقوف عند دائرة الحقيقة، والقبول بها، ومعالجة المواقف والنتائج على أساسها، هو الذي يمنح سلوكنا قيمته، ويضعه في مستوى الصدق والفاعلية، ويمكّننا من معالجة الأخطاء والتماس البدائل الصائبة. أما إذا بقينا نهرول وراء التميّز الموهوم فسنحتاج إلى ابتكار مفردات جديدة ترضي غرورنا، حيث سيُستهلك ما بين أيدينا من مفردات التفضيل ويغدو عديم الجدوى باهت التأثير.

يقول الجاحظ: «النبيل لا يتنبّل»، أي لا يحتاج إلى من يثبت نُبله، فنبله يكفيه ويدل عليه. ومن يدري، فلعل في ذلك اغناءً للغة، وتوسيعا لقاموسها! فنحن، في الواقع بحاجة حقيقية إلى النظر في قواميسنا وتصفيتها مما لم تعد له دلالة في حياتنا، ولا حاجة. ومنذ عصور قال صفي الدين الحلي:

إنما الحيزبون والدردبيسُ والطخا والنقاخ والعلطبيس

والغطاريس والقعنفس والخرنق والخربصيص والعيطموس

لغة تنفر المسامع منها

حين تُلقى وتشمئز النفوس

وقبيح أن يؤخذ النافر الوحشي منها ويُترك المأنوس

أين قولي (هذا كثيب قديم) ومقالي (عقنقل قَدَموس)

إلخ.

ومنذ ذلك اليوم لم يعد هناك من يستعمل هذه المفردات التي سحقها الزمن، وأفرغ معناها، ولكنها بقيت جاثمة في قواميسنا جامدة بلا معنى، آخذة مكان ما جد من مفردات نستعملها في حياتنا اليومية؛ وما زال فيها مثل (أجل وبجل وجلل ) وأمثالها، وهي تعني (بلى أو نعم) ولا تدخل جماعة (أفضل التفضيل) في هذا الباب، وإن كانت مدخلا لكلامنا، لأنها مازالت حيوية وضرورية، ولكن مجال استخدامها في المقارنة المجانية طلبا للتفوّق والامتياز غير المؤكد في الواقع، أمر يقتضي التريّث فيه، واستعماله على الوجه الصحيح.

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr